في بابي الاضطهاد أو الاستعانة بالمشرك على المسلم ما يكفي لإخراجه من الملة. بل أن السلفية الجهادية تذهب أبعد من ذلك حين توسع من المفهوم بالقدر الذي يتيح لها أن تسبغ على الحاكم صفتي الهيمنة والنفوذ اللتين تجعلان منه ليس مشركا فقط بقدر ما بات وكأنه صار"ربا يعبد من دون الله في الأرض" [23] ، فهو الحاكم المطلق بأمره، المشرع من دون الله والحاكم بغير شريعته، وهو المتصرف بأمر البلاد والعباد، وهو الرئيس المؤمن والإمام المبايَع وصاحب العطايا والهدايا، وقائد الجيش ورئيس البلاد وباني عزها ونهضتها ومجدها، وهو كبير تجارها وأثريائها ومشايخها وأمير أمرائها، ولديه من الصفات ما يشبه الغزل ومن الألقاب ما يجعله صاحب سلالة ومن النياشين ما يثقل كاهله ولا يتسع لها صدره، ومن المنجزات ما جعل شعبه من أرقى الشعوب ووضع دولته في مصاف الدول المتقدمة! بل هو فرعون العصر بحسب تعبير جماعة الجهاد المصرية.
هذا الحاكم ظل حريصا على تراث ميكيافيلي ووفيا لمبادئه ونصائحه، لكنه ليس مثيلا لقادة أوروبا الميكيافيليين الذين يلعبون دورهم المسند إليهم، ففي عالمنا العربي خاصة والإسلامي عامة يتجاوز الحاكم حتى النزعة الميكيافيلية نحو نزعة عجيبة غريبة على الحكام في الدولة الحديثة. وفي هذا السياق يقدم المفكر الكويتي عبد الله فهد النفيسي توصيفا طريفا لما يسميه بـ"الطغيان السياسي"العربي الذي يعد واحدا من بين ثلاثة مشاكل تعاني منها الأمة العربية بالإضافة لـ"سوء توزيع الثروة والتحلل الاجتماعي"، ويرى أن هذا الطغيان الذي يعني"استئثار القلة بالقرار السياسي"على حساب الأغلبية زاد في دول الخليج لأن"النظم الحاكمة في الجزيرة العربية بلا استثناء تمارس الحكم والتجارة في نفس الوقت، فهي تحكم وفي نفس الوقت هي كتل في السوق تزاحم الناس على أرزاقها، هي تشتري الأراضي وتبيع الأراضي وتدخل في مقاولات ومناقصات وتدخل في عالم المال والأسهم وإنشاء الشركات وإسقاطها، وفي نفس الوقت تقرر سياسيا، والذي يجمع الحكم والتجارة حتما سيحرف القرار السياسي لمصلحته، ولذلك كان هذا محرما في الشريعة الإسلامية ... وهذا ما جعل للطغيان السياسي منصاته القوية على الأرض" [24] .
السؤال البسيط: لماذا لا يلعب الحاكم دوره كمهنة ويكتفي بمنصبه؟ ولماذا يصر على لعب أدوار اقتصادية واجتماعية وثقافية ليست من اختصاصه ولم يُدعَ إليها ولا هو مؤهل لها؟ ولماذا يصر على الحضور الإعلامي اليومي؟ ألأنه والدولة قويان بما فيه الكفاية؟ أم أنه والدولة مجرد ظاهرتين طارئتين، وبالتالي فهو في موقع غنيمة ينبغي الاستفادة منها إلى أقصى الحدود قبل أن ينقضي أجلها؟
وفي الحقيقة فالطغيان السياسي ليس مقتصرا على الحاكم، وكما قال النفيسي، فقد باتت له منصات، وهو ما يعني أن القوى الاقتصادية والاجتماعية المتنفذة ضليعة حتى النخاع في لعب دور الطغاة وممارسة الطغيان. فمن يمتلك المال بالتأكيد سيمتلك السلطة والقرار أو على الأقل هو مساهم في صناعته سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وعلى الرغم من أن الشرائح الاقتصادية المتنفذة في عموم العالم العربي لم تكن تملك من الثروة الشيء الكثير قبل مائة عام، ولم تكن محسوبة على القوى الاجتماعية ذات النفوذ العريق على قلتها إلا أن مصادر الثراء ذاتها ولدت بطرق غير شرعية البتة [25] ، بل أن ما يوصف، عبثا، بالبرجوازية العربية الكبرى، ليس إلا طبقة مشبوهة ومخلعة الجذور صنعتها ظروف معينة ودعمتها القوى الاستعمارية وثبتتها الدولة الوطنية [26] ، وبالتالي فهي طبقة لم تكن أصيلة في يوم ما ولا ذات علاقة بالعلم أو المعرفة ولم تراهن عليهما قط في بناء ثرواتها لأنها لم تكن خيارا اجتماعيا رأسماليا بقدر ما هي خيار سياسي أيديولوجي صرف [27] .