هذه الطبقة تجيد القول بأن المال ليس له وطن! فتبرر بذلك هجرة رؤوس أموالها خارج أوطانها، وهي بذلك تساهم في الإفقار خاصة وأنها تستثمر بغرض تنمية ثرواتها لا بغرض تنمية بلدانها ومجتمعاتها، بل أنها غالبا ما تعيش خارج بلدانها أو على متون الطائرات والسفن، والأسوأ من ذلك أنها أبعد ما تكون عن أية مسؤولية دينية أو أخلاقية، ولو سئلت عن زكاة أموالها المنقولة وغير المنقولة لأطبقت صمتا بينما لا يضيرها حجم الترف والبذخ وتبديد ثروات لو وزعت على مستحقيها لكفت الأمة برمتها. والأسوأ من هذا وذاك أنها ترعى التحلل الاجتماعي واستيراد الثقافات الأجنبية وتسعى لمد طغيانها على قطاعات الاقتصاد غير المهيكلة فتحرم الريف من اختصاصاته الإنتاجية والفرد من مصادر الرزق [28] ، فكيف لا تكون جزء أصيلا ومؤثرا من الطغيان؟
في المجتمعات العربية فإن التشكيلات السياسية الكائنة يغلب عليها الطابع القبلي، فالقبيلة باتت عضوا مؤسسا في كافة المؤسسات المدنية من أحزاب ونقابات وجمعيات ونوادي وحتى قادة في الجيش، بل أن التشكيلة السياسية في الحكم تراعي إلى حد كبير التوازنات الاجتماعية القائمة على النفوذ القبلي، وكذا الأمر في الجيش والقضاء والسلطة والأمن والاقتصاد، وتبعا لذلك سينشأ بفعل هذه التقسيمات والهيمنات منظومة قيمية يجري التحاكم إليها والدفاع عنها كما لو أنها النموذج الثقافي الأسمى، فماذا بقي للدين والأخلاق والعلم من حضور في ظل هذا الطغيان؟
من المألوف جدا في أي مجتمع بني على الطغاة والطغيان أن تتسم مختلف جوانب حياته بالطغيان، فالساسة، مثلا، هم الفئة المستأثرة في القرار السياسي، وتكاد هذه الفئة تنغلق على نفسها بحيث تبدو الدولة برمتها حكرا عليهم، ولكل منهم نصيب في مؤسساتها وميادينها، وترى نفوذ الواحد منهم يصل إلى الجامعة والبرلمان والحكومة والسوق والقضاء والجيش والأمن والخدمات وكل ما يمكن تخيله في الدولة والمجتمع علاوة على ما يتحصل عليه من امتيازات وإعفاءات بوصفه رجل دولة قدم خدمات جليلة لها وبالتالي يحق له ما لا يحق لغيره! وفي المقابل لا يجد العامة من الناس قوتهم إلا بشق الأنفس، ولا يجدون من ينتصر لهم إلا بالواسطة والرشاوى، ولا من يُحصٍّل لهم حقوقهم إلا بمساومتهم عليها. وإذا ما اهتزت البلاد في نازلة من النوازل فهم أول الضحايا والخاسرين. ومع أنه لا فرص أمامهم ولا طموح بحيث يبقى الفقير منهم فقيرا حتى لو امتلك ناصية الكفاءة والعلم والغني غنيا حتى لو كان من الجهلة إلا أنهم مدعوون إذا طلب منهم الرقص أن يرقصوا فرحا وإذا طلب منهم الغناء فليغنوا طربا وليتغزلوا بالحاكم ولو نفاقا، وإذا كان عليهم أن يحزنوا فليبكوا حتى النواح، أما الحالة الطبيعية لهم فهي التزام الصمت حتى حين يكون الصراخ فضيلة.
ولعل أطرف المشاهد الاجتماعية على الطغيان وأخطرها ما يمس الفرد ذاته، فلما يغيب القانون وتغيب الشريعة ويغيب الوازع فمن الطبيعي أن تتقدم النوازع النفسية الشريرة خطوات إلى الأمام، وهي صورة يمكن أن نجدها مجسدة أكثر في المجتمع المصري وريث الثقافة الفرعونية القائمة على ثنائية"السيد - العبد"وليس"الأسياد - العبيد"، والأغرب أن مثل هذه الثقافة يجري الترويج لها والدفاع عنها في وسائل الإعلام والمنشورات والفضائيات على مرأى ومسمع من الدولة ومن أفراد وليس من جماعات فقط! ولا شك أن الفضل في كشف التعذيب في السجون المصرية ومراكز التوقيف والتحقيق يعود للمدونين الذين نشطوا في الدفع بالظاهرة المتجذرة إلى العلن بعد أن كانت حبيسة أجهزة وزارة الداخلية والمخابرات. ولما تُسأل السلطات المصرية أو القريبون منها عن ممارسات التعذيب كاللواء فؤاد علام تأتي الإجابة محملة بقدر كبير من البلاهة:"بالتأكيد هي ممارسات فردية"! والحقيقة أن