بطبيعة الحال فالاستنتاج الحاسم يكمن في كون قادة الجماعات المسلحة للسلفية الجهادية لا يمكن إلا أن يكونوا على قدر كبير من العلم الشرعي، وبما أنهم خارج سايكس - بيكو فمن البديهي ألا يكونوا قادة أحزاب أو تنظيمات بقدر ما سيكونوا مجاهدين علماء، على أن هذا لا يعني أنهم من الراسخين في العلم، لكنهم ليسوا على جهل، وليس من الحكمة الاستهانة بقدراتهم العلمية وإلا لما استطاعوا أن يرفعوا راية ويعلنوا جهادا ويخوضوه ضد أعتى القوى العالمية ويدعون الأمة له لو لم يكن لديهم قدر كبير من العلوم الشرعية، هذا فضلا عن أن للسلفية الجهادية علماءها العاملين في شتى أنحاء العالم.
إذن القيادة ليست مرتبة تنظيمية ولا سياسية ولا أخلاقية، وليست وليدة المصالح والأهواء ولا هي بالوراثة ولا التزكيات بل هي الضرورة الأولى من ضرورات أي مشروع جهادي خاصة وأن ساحات الجهاد تفتقد للعلماء المتخصصين المتفرّغين إلى حد كبير مما يجعل من العلم الشرعي الشرط الذي يحظى بالأولوية القصوى.
لم تكن هجمات 11 سبتمبر 2001 على أبراج التجارة الأمريكية لتحقق هدفا جوهريا وحاسما أفضل مما حققته في الصميم وهو تقديم قيادة للأمة [83] بمواصفات غير مسبوقة خاصة وأن الضربات نجحت في توجيه ما يسميه الشيخ أسامة بن لادن ضربة"حطمت هبل العصر" [84] بالإضافة إلى أهداف أخرى. فسلطان الأمة الذي اغتصبته سايكس - بيكو في غفلة من الأمة وضيعته يستوجب وجود قيادة موثوقة ومؤتمنة مهمتها استعادته حتى لو كلفها ذلك مهاجمة"أصنام العصر"، وحتى تظهر هذه القيادة وتحظى بقبول في الساحات الإسلامية كان عليها أن تفكر بهدف يلفت انتباه الأمة والعالم أجمع بأن الإسلام قادم وأن المسلمين عازمون على الاستمساك بـ"العروة الوثقى"وأن على"الغرب الصليبي الصهيوني الكافر"أن يفهم أن المعركة فتحت ومن أوسع الأبواب.
هكذا قدمت القاعدة نفسها قائدة لحركة الجهاد العالمي الذي يؤمن بأن المقاتل العالمي [المشرك] الذي يصول ويجول في أنحاء العالم غازيا معتديا لا بد له أن يواجه بمقاتل إسلامي عالمي [موحد] وبذات المواصفات وفي عقر داره [85] . فالقتال بحسب شروط الخصم لم يعد متاحا ولا بد من نقل المعركة من الأطراف إلى المركز [86] لتصير المعادلة مخطوطة بحسب القسم الشهير للشيخ بن لادن أو د. الظواهري [87] . إذن أي نوع من القيادة نحن بصدد البحث عن مواصفاته؟ وما الذي تريده قيادة السلفية الجهادية المقاتلة بعد أن استتب لها الأمر؟
لعل أبا بكر ناجي هو من أكثر وأدق من أصل لمضمون القيادة وشروط تحققها في صفوف السلفية الجهادية خاصة في الفصل الثاني من مؤلفه العزيز على قلوب المجاهدين مثلما هو عزيز على قلوب وكالات الأمن الأمريكية التي قامت بترجمته وشرحه وتوزيعه على نطاق واسع لما اعتبرته أخطر المؤلفات. ففي الغرب يهتمون بالإدارة وليس بالقيادة المباشرة، وللإنصاف فإن كتابات الشيخ أبي بكر ناجي أثارت انتباه كل من قرأها، أما أفكاره عن مسألة القيادة وهو يعالجها من خلال ربطها بالإدارة ربطا مباشرا فهي أطرف ما قدمه مفكر إسلامي وجهادي في تاريخ الحركات الإسلامية وحتى الجماعات السياسية العلمانية، بل أن ميزة مؤلفه"إدارة التوحش"أنه المشروع الأول الذي تقدمه حركة جهادية للتنفيذ على الأرض.
بالتأكيد يفرق"ناجي"بين القيادة (العسكريين) والإدارة (السياسيين) في مراحل النكاية والتمكين أو ما يسميه بإدارة مناطق التوحش، ويعتبر الأولى للثقاة فقط ولكنه لا يمانع في أن يكون كل قائد مديرا. لذا نراه ينطلق في بداية