الصفحة 31 من 49

فضلا عن وضوح خطاباتها فما من تميز للسلفية بأقوى من قدرتها على صنع القيادات وإنتاجها. فهي عملية معقدة لا يبلغها إلا من بلغها بشروط لا يمكن تجاوزها أو التهاون بها. بمعنى أن القائد لا تصنعه التعليمات ولا سنوات الخدمة ولا الترقيات المألوفة، فمن يصنعها إذن؟

لما يردد بن لادن القول:"لسنا جامدين ... سندور حيث تدور العقيدة"، فإننا نحمل هذه العبارة على محمل الجد كونها"تعبر عن صميم عقل السلفية الجهادية وفلسفتها العقدية كمرجعية وحيدة ... ذلك أن التنظيم بنظر أتباعه عقيدة يدورون معها حيث تدور وليس بناء أيديولوجيا ولا أولوية ولا هدفا بحد ذاته ولا غاية مرجوة. فإذا ما قررت العقيدة، بنظر السلفية الجهادية، أن هذا خطأ أو صواب وذاك حلال أو حرام وهذا صديق وذاك عدو فلا مفر حينها من التسليم والدوران حيث تدور العقيدة وتقرر بعيدا عن أي تأثير تنظيمي أو تبعات سياسية" [77] .

فالمعنى إذن يؤكد على أن سر السلفية الجهادية يكمن بالذات في الشريعة بوصفها المصدر الوحيد في: (1) الحكم على النوازل أو (2) توجيه السلوك العام والخاص أو (3) بيان الاحتياجات والمتطلبات أو (4) رسم السياسات و (5) وضع الخطط، و ... الخ وبمعنى من المعاني فالشريعة ومصادرها معطوفا عليها التجارب الإسلامية، بعرف السلفية الجهادية، ليست علوما للتلقين ولا ميدانا للفقه ولا مجرد أحكام مصفوفة ولا هي تخصصات علمية، وليست الغاية منها التمتع والوجاهة والتفاخر ولا وسيلة لتحصيل الوظيفة والمال والجاه والرفعة. بل هي مرجعية ومنهج حياة بديلا عن أية مصادر أو مرجعيات أخرى، وعليه فإن التحصن بالعلم الشرعي يغدو الشرط الأول والحاسم في العمل خاصة وأن"المجاهد هو أكثر من يحتاج إلى العلم من غيره وهو يخوض غمار الجهاد ٍالذي يستدعي منه أن يكون على بينة من هذا الأمر العظيم" [78] .

فالأمن [79] والسياسة الشرعية والخطط العسكرية وتحديد مراحل النكاية والتمكين والأولويات أو فقه الجهاد وأحكامه وفقه الواقع وفقه التحييد وفقه المرحلة وفقه التزكية وطرق قتال العدو والتنبؤ بسقوطه أو نجاحه وضبط مواضع الخلل والقوة والضعف واتخاذ المواقف كلها وغيرها من القضايا يجري الاستدلال عليها أو الاسترشاد بها من خلال الشريعة والسنة النبوية وسلوك الصحابة وفتاوى العلماء والفقهاء وقادة الجيوش الإسلامية والتراث الإسلامي الجهادي [80] قبل الاستعانة بأية مصادر أخرى. لذا فما من نازلة أو حدث أو سلوك إلا ويخضع للحكم الشرعي الذي له وحده الحق في إجازته أو رفضه، ولا عبرة لأية مبررات تاريخية ولا لأية قيم أو مجاملات أو اعتبارات للمصداقية وغيرها ممن تصنف تحت قافلة"الهوى"، فلو سرقت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم لقطع محمدٌ يدها، ولو نكص بن لادن على عقبيه لنبذ غير مأسوف عليه [81] .

قد يبدو هذا نوعا من الوصاية على الدين وكأن السلفية الجهادية باتت على حق وغيرها على باطل وهو ما ليس من الأطروحة السلفية بشيء، إذ أن الشريعة، بالنسبة إليها، فيها من السعة ما ليس في أية مرجعية أخرى، فهي الرصيد المعرفي الهائل الذي لا ينضب مع الزمان بخلاف أية مرجعيات أخرى لا تتعدى أعمارها، في أحسن الأحوال، بضعة عقود لا أكثر، وفيها من الأمن والأمان والسكينة ما لا يمكن للأيديولوجيا أن تحلم به، وفيها من المثل ما لا ينفع الاقتداء بغيرها، وفيها من التوجيه والإرشاد ما لم يقع الاستفادة منه سابقا بسبب تغييبها عن الأمة وواقعها، وفيها من القوة ما تستكين معه نفسية المجاهد، وفيها من الصرامة ما يكفي ليدمغ الحق فيها كل باطل فيزهقه، من هنا تأتي الحاجة إلى تعلم العلم الشرعي للعمل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت