لذا فإن البيئة التربوية التي تنشأ فيها السلفية الجهادية هي على الأغلب بيئة المساجد وحلقات العلم والعلماء وبيئة الغرباء من كهوف وسراديب وصحاري وبيئة الثغور وساحات الجهاد وميادين القتال وليست بيئة سايكس - بيكو من القصور والفنادق والمؤتمرات والوزارات والسفارات والمكاتب المكيفة ووسائل الإعلام، ولا بيئة التنظيمات والأحزاب والأيديولوجيات ولا بيئة العلاقات الدولية والأمم المتحدة
ومجلس الأمن والمجتمع الدولي، وشتان بين البيئتين.
كما أن للعلم الشرعي ميزة لا توفرها أية أيديولوجيا مهما بدت متماسكة، فالصحابة كان الواحد منهم يوصف وكأنه"قرآن يمشي على الأرض"، وهذا يؤشر على أن توجه السلفية نحو دراسة العلم الشرعي والنهل منه ما استطاعت إنما هو محاولة للتشبه بالصحابة، وقد يبدو الأمر نكتة بالنسبة للخصوم خاصة وأن لديهم الكثير من الردود على مثل هذه"الأحلام والغرور"، لكن لو رفعنا من مستوى التحليل والتفسير أكثر قليلا سيتبين لنا أن السلفية باشتراطها العلم الشرعي إنما تجعل من عناصرها مشاريع قيادة من العيار الثقيل، وفي هذه النقطة وأمثالها فليتنافس المتنافسون. فمن يخوض الجهاد عليه أن يفهم إلى أين يقود الأمة ولأية أهداف، وعليه أن يعرف كيف يخاطبها، وبأية أدلة يواجهها، وعليه أن يتحمل كامل المسؤولية أمام الله والناس. أما التلاعب بمصير الأمة وزجها في أتون حروب طاحنة لا فائدة ترجى منها أو تسويات ظالمة وخائبة أو تحالفات مشبوهة فهي من تداعيات الجهل في الدين وغياب المرجعية، والصدع بما فيها من حقوق هي ملك للأمة وليست ملكا لعالم أو فقيه أو محدث أو حاكم أو سياسي أو أية شخصية كانت.
ومن الأهمية التنبيه إلى أن الأخذ بالعلم الشرعي لدى السلفية الجهادية يأتي على خلفية النقص الفادح في التكوين لدى الجهاديين من جهة ولترشيد فعاليات العمل الجهادي وبنائه من جهة أخرى على أسس شرعية واضحة. ففي مؤلفه الضخم يورد أبو مصعب السوري الكثير من الإشكالات التي عانى منها قادة الجهاد أمثال عبد الله عزام والظواهري وبن لادن وغيرهم من معتقدات جلبها معهم من التحق بصفوف المجاهدين خاصة من طلبة العلم الشرعي، ويعتقد صاحب"دعوة المقاومة"أن تصرفاتهم ألحقت ضررا بالغا في تقدم مسيرة الجهاد وعالميته ونفَّرت الكثير منه وتسببت بنزاعات قوية بين المجاهدين كونها انتشرت على مساحات واسعة من ساحات الجهاد. على أن هذا لا يعني إيصاد الأبواب أمام من يلتحق بالمجاهدين إن لم يكن متحصنا بالعلم الشرعي ولكنه في المقابل، وبعد التجارب المريرة، بات ملزما بتلقيه.
أما على مستوى القيادات فما من سبيل للوصول إلى دفة القيادة في مراتبها الوسطى والعليا خاصة إلا بشروط حاسمة فيما يتعلق بالعلم الشرعي، ولقد لاحظنا في بيانات الرثاء وأشرطة الفيديو التي خصصت لأبي مصعب الزرقاوي حرصها على التذكير بأنه كان طالب علم مجتهد علاوة على كونه القائد العام، وكأن تعيين أبي مصعب أو قبول بيعته ما كان ليتم لولا علمه وصلاحه والثقة الكاملة فيه فضلا عن قدراته الميدانية وبلاؤه في المعارك وإلا ما استطاع قيادة الجماعة في العراق. كما أنه ما من سبيل لإعلان الجهاد في ساحة ما دون أن تكون النواة الأولى على دراية بالعلم الشرعي وإلا فلا داعي لإعلانه، هذا ما حصل بالنسبة لمجموعة تركستان الشرقية التي كان يقودها حسن معصوم قبل سقوطه في معركة مع القوات الباكستانية في وزيرستان سنة 2003. إذ يذكر أبو مصعب السوري أن حسن معصوم كان يخطط للعودة إلى تركستان والشروع بتعليم العلم الشرعي لنحو مائتي مجاهد قبل أن يعلن الجهاد على القوات الصينية التي تحتل البلاد [82] .