الطغيان الفردي يمكن أن يكون أخطر من الطغيان الجماعي أو المؤسسي كونه يعكس ثقافة اجتماعية شاملة وعميقة جعلت من الفرد حاضنا لها لاسيما وأن لسان حاله سيغدو على شاكلة من يقول:"أنا سيد على من هو دوني"، وحينها سيكون سهلا على من يمسك بالسلطة كرجال الشرطة أن يتحولوا إلى طغاة يلقوا برجل من علٍ أو يعذبوا آخر في أعضائه الجنسية أو يسقطوا هذا وذاك أخلاقيا ويهددوا آخرين بالاغتصاب.
حتى الظواهر الاجتماعية في البلاد الإسلامية تتسم بالطغيان إذا ما قورنت في بلدان أخرى. فظاهرة التسول انتقلت إلى المؤسسة الإدارية وبات الموظف بطلها الخارق. ففي بعض البلدان العربية يحتفظ الموظف بختم المصادقة على المعاملات والوثائق في جيبه الخاص وكأنه ملكا له ورثه أبا عن جد، ويحتفظ بالحيلولة دون حق المواطن فيما يستحق من استخراج وثائقه أو المصادقة عليها إلا بعد أن يدفع للموظف أو المسؤول لقاء ما يطلب منه، والأطرف أن بعضهم يوسط ويدفع الرشاوي ليعمل في وظيفة معينة كونها تدر عليه دخلا معتبرا بينما راتبه فيها لا يكاد يعيله وحده! ولعل المشكلة في الفساد أن له مؤسسات تحميه وأناس يدافعون عنه على الرغم من أنه يضرب الجميع بلا استثناء، والأسوأ أنه يخلق قهرا اجتماعيا يصعب تحمله، فكيف يمكن تبرير فساد إداري يستغل حاج أو معتمر راغب إلى ربه في آخر لحظات قبل إغلاق الحدود؟ وكيف يمكن تحمل الأمر ذاته في افتتاح المدارس؟ وكيف يمكن تقبل فساد إداري وابتزاز في أجهزة الشرطة والقضاء؟ بل وفي الجهاز الطبي ذاته وما يشكله من معاناة للمريض وأهله فضلا عن معاناة المرض إياه؟ ونفس المشاهد وأسوأ يعاني منها الأجانب المقيمين سواء في تجديد عقودهم وإقاماتهم وسفرهم وتسوية أوضاع أسرهم أو حتى في تحصيل رواتبهم وحقوقهم؟
الغريب في كل هذا أنه لما استفحلت الظاهرة وباتت سلوكا اجتماعيا يضرب كافة الشرائح الاجتماعية وسلم التراتبات الوظيفية من قمة الهرم الوظيفي إلى أسفله وعلى مستوى الأفراد وجدت حلا لها في مخارج فقهية لم تتحرج من إصدار الفتاوى التي تجيز دفع الرشا لتجاوز العقبات الإدارية!
بهذا المعنى للطغاة والطغيان من بقي خارج دائرة الاتهام؟ إذا كان الحاكم والقاضي والمحامي والطبيب والمسؤول الإداري والشرطي والرأسمالي والوسيط والفقيه والأستاذ والموظف وأمثالهم وحتى المواطن كلهم طغاة يمارسون الطغيان؟ لا أحد، لكن يبقى للطغيان السياسي عند السلفية نكهته الخاصة وتداعياته الخطرة.
لم تكن معاهدة سايكس - بيكو سنة 1916 بين القوى الكبرى (فرنسا وبريطانيا) في أوائل القرن العشرين إلا ثمرة اتفاق على تقاسم تركة الإمبراطورية العثمانية. هذه المعاهد نتج عنها (1) فرض استقلال تركيا في دولة مستقلة و (2) إلغاء نظام الخلافة الإسلامي و (3) تقسيم ما أسمي استعماريا بالوطن العربي و (4) فرض الوصاية على 21 جزء منه تحولت إلى دول مستقلة، ومن (5) ثم فرض التبعية السياسية والاقتصادية والقانونية والثقافية عليها، وأخيرا (6) زرع الدولة اليهودية في قلب المنطقة العربية في (7) عملية تقطيع أوصال حضارية، و (8) منع أية عملية توحد في المستقبل بفعل القوة الجديدة في المنطقة.
كان لدى العرب أرض واحدة وأمة واحدة وعقيدة واحدة وثقافة واحدة وحاكم واحد ونظام واحد واقتصاد واحد وبضعة بحار، والآن لديهم 22 دولة و22 بقعة جغرافية و22 شعب عربي أو مسلم و22 أمة و22 قومية يحكمها 22 نظام سياسي و22 عقيدة و22 حضارة و22 تاريخ و22 ثقافة و22 نظام تعليمي و22 اقتصاد و22 سياسة