ويرد إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فالخلاف قد يطال أهل الثغور أنفسهم مثلما يطال الحق نفسه دون أن تسلم عقيدة الولاء والبراء من الاجتهاد وحتى الطعن."
لكن نقطة القوة لدى السلفية الجهادية تكمن في دعوتها المفتوحة والمستمرة للعلماء للالتحاق بساحات الجهاد بدلا من إصدار الفتاوى التي تطعن في الجهاد عن بعد. وحجة السلفية أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في مقدمة الجيش الإسلامي في غزواته وفتوحاته ولم يكن متخلفا في يوم ما، كما أن الصحابة والعلماء من بعدهم كانوا على الدوام في صفوف الجيش. إذ هو واجب شرعي أولا على كل المسلمين علماء وعامة، فضلا عن أن ساحات الجهاد لا تخلوا من أخطاء، والمجاهدون كغيرهم من البشر ليسوا معصومين فيمكن أن يصيبوا أو يخطئوا، وبدلا من التجرؤ عليهم كان من الأولى بالعلماء ألا يفارقوا الجهاد والمجاهدين ويفتوا في أمورهم عن بينة، وأن يكونوا عونا لهم لا عليهم، وحينها يمكن محاصرة الفتن ووأدها في مهدها عبر بيان الحكم الشرعي بناء على الظروف والواقع وليس عبر الاستماع من هنا وهناك وما يترتب على ذلك من قصور في الصورة وربما تجني من طرف على آخر [50] . غير أن مثل هذه الدعوات التي تتكرر في كثير من خطابات رموز السلفية الجهادية وتعج بها كتاباتهم بصورة كثيفة للغاية [51] لم تلق آذانا صاغية بالشكل المرجو الوصول إليه حتى الآن، بل أنها تلقى تجاهلا وصدودا وبعضها لا تخلو من ريبة وهي تطالبهم بـ"الخروج من سراديبهم لمباهلة العلماء ومجالستهم"! [52] .
خصصت أمريكا عشرات الملايين من الدولارات للقبض على خصومها من السلفية، فكان نصيب بن لادن والظواهري 25 مليون دولار لكل منهما ثم 50 مليون لبن لادن والزرقاوي 25 مليون والسوري 5 مليون ... ولا شك أن المكافئات تتوالى بسخاء لمن يدلي بأية معلومات تؤدي إلى اعتقال أو قتل قادة القاعدة. فالولايات المتحدة تعتقد كما غيرها أن تصفية الرموز يمكن أن يؤدي إلى انهيار التيار الجهادي وربما اندثاره أو على الأقل تخريب مخططاته لسنوات طويلة وضربه في الصميم. ولكن لأننا نعتبر أن الظاهرة غير مألوفة فمن الطبيعي أن تكون سبل المواجهة التقليدية معها غير مألوفة وإلا فهي أقرب إلى الفشل من أي نجاح محتمل. أما لماذا؟ فلأن هذا هو بيت القصيد.
ففي حين كَلّ رموز القاعدة وكبار كتابها ومفكريها من الحديث عن القيادة إلا أن البحث العلمي في المسألة ظل راكدا على نحو مريب، ولعل في المسألة ما يبرر العزوف عن التصدي لها، ذلك أن في الأمر صعوبات وتعقيدات غير مألوفة. فلمن يتوجه البحث؟ وفيمن يبحث؟ وأية آليات يمكن سلوكها؟ وعن أي نمط من القيادات يمكن أن نفتش؟ وكل ما لدينا جماعة تقول أن منهجها هو الشريعة؟ أليست الشريعة هي منهج الجماعات الإسلامية كافة؟ فما هو الجديد إذن؟ وأين التميز في الأطروحة السلفية؟
إذا اعتبرنا الأطروحات الواردة في المحور الأول من المسلمات، وهي كذلك بما أنها تنطق بلغة السلفية الجهادية وجوهرها، فالجديد والتميز يكمن في مسألة الراية من جهة وفيمن يرفعها من جهة أخرى، وهما وجهان لعملة واحدة. والسؤال هو: أي نوع من الرايات أو القيادات ستحمل تميزا عما سبقها؟ وبأي محتوى وشروط؟