الصفحة 23 من 49

من البديهي أن يتمتع العالم أو الفقيه بعلم شرعي مرموق، ومن الطبيعي أن يستمد هيبته أو حصانته من الرصيد العلمي الذي يتمتع به، ولكن الإشكال يكمن في النظر إلى العالم وكأنه يتمتع علاوة على حصانته العلمية بحصانة شرعية تجعله معصوما [48] من الوقوع في الزلل والخطأ، وللمسألة أكثر من مشهد نورد بعضها:

1)مشهد عالم من المفترض أنه موثوق يفتي في نازلة على نحو مخالف لما هو مألوف أو مفاجئ فتكون الردود متوافقة مع الفتوى أو متحفظة بحجة أن العالم لا يرد عليه إلا عالم وهذا موقف منطقي، لكن مقولة"اتقوا لحوم العلماء فإن لحومهم مسمومة"حدث فيها مبالغة وتعسف في استعمالها فيما يبدو، وباتت كالسيف المسلط على من يعارض الفتوى أو ينتقدها خاصة ممن هم أقل درجة وكأن ما يحق للعلماء، حتى لو كان فيه اعوجاج، لا يحق لغيرهم وإن أصابوا.

2)مشهد عالم راسخ في العلم، وخدم في علمه العقيدة والدين والمسلمين وانتشرت كتبه وفتاواه حتى بلغت أقاصي الأرض وباتت مراجع أساسية كبرى يتدارسها العلماء والطلبة على حد سواء ويرجع لها في الحكم على النوازل، لكن مواقف هذا العالم في قضايا سياسية وشرعية كبرى كالجهاد والحاكمية والقوى الأجنبية وغيرها مما يلتبس على العامة والخاصة إما أنها قريبة من السلطة أو متطابقة معها أو مختلطة أو ذات معايير مزدوجة، هذا النوع من العلماء ممن ذاع صيتهم بين الأمم غالبا ما يتسببون بانقسام الأمة التي تنتظر القول الفصل على ألسنتهم ثقة بسعة علمهم، ومع ذلك يصعب الطعن بهم دون ثمن باهظ، بل يحظون بالتماس العذر حتى من أتباعهم فيما لو ثبت عليهم من الزلات ما هو عظيم الأثر. فمن يجيز الصلح مع اليهود سيكون أقرب إلى الحث على التفتيش عن وسائل السلامة معهم من قربه إلى وجوب قتالهم. وأخطر ما في فتاواهم أنها لا تأخذ بعين الاعتبار عامل الزمن. فمن يجيز الصلح الدائم (التطبيع) مع اليهود مثلا عليه أن يعرف مقدار صمود الفتوى ومدى مطابقتها للشريعة وإلا ففي حال سقوطها فالمشكلة ستكون وبالا على الأمة خاصة وأنها ستغدو سابقة يقاس عليها ولو بعد ألف عام بحجة أن راسخا في العلم أفتى في يوم ما.

3)مشهد عالم حتى لو كان عاملا إلا أن تلامذته يتبعونه فيما يذهب إليه من أقوال وأفعال ومذاهب، ويحيطونه بهالة من القدسية والعظمة. فإذا التحق بالجهاد لحقوا به وإذا قعد عنه قعدوا معه وإذا نكص على عقبيه نكصوا معه وإذا أخطأ التمسوا له ما لا يلتمسون لغيره من الأعذار، وبما يفيض عن حاجته، أما صعوبة التعامل مع هذه الحالة فتكمن في تلامذته ومريديه الذين يشكلون بالنسبة له، شاء أو أبى، ما يشبه الحصانة بحيث يترصدون كل نقد يصيبه أو نصيحة توجه له. وفي هذه الحالة التي يُنتظر فيها من العالم أن يحمي الأمة والدين نراه حين ينزلق يحتاج إلى حماية من أتباعه ويركن إليهم!

4)مشهد عالم لا يعنيه الموقف الشرعي فيبرر التعامل الصريح لجماعته أو حزبه مع العدو أو إعانته بمجرد اجتهاد سياسي قد يصيب وقد يخطئ رغم ما يتسبب فيه مثل هذا الموقف من انقسام في الأمة وتضليل للعامة، والإشكال أن هذا العالم يجر معه القاعدة إذا ما كان في موقع القيادة. والأسوأ أن أغلب مكونات القاعدة تلحق به وتدافع عن خياراته كما لو أن مرجعيتها الحزبية أقوى من أية مرجعية أخرى بما فيها الشريعة.

وحقيقة فالمشاهد كثيرة في هذا السياق، وغالبا ما تفشل المناقشات والردود ومحاولات بيان الموقف الشرعي في تحقيق أية نتيجة تذكر حتى لو احتمت السلفية الجهادية بنصيحة الإمامين أحمد بن حنبل وابن المبارك [49] أو احتجت بعقيدة الولاء والبراء أو بمقولات من نوع:"الحق يعرف بالحجة ولا يعرف بالرجال"أو"كل قول يؤخذ منه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت