الصفحة 25 من 49

أولا: الراية، للأمة؟ أم للجماعة؟

منذ مائتي عام أو أكثر فقدت الأمة رايتها فخسرت ما لم تخسره أمة من الأمم في تاريخها، خسرت وحدتها وهويتها وخلافتها وبعض أوطانها وثرواتها وكرامتها وصارت مرتعا خصبا للقوى الصائلة، فما من دولة قادرة على حماية نفسها وما من نظام سياسي بمنأى عن التهديد أو الإطاحة به وما من جيش صمد في معركة صغيرة أو كبيرة وما من أمن يخيم عليها، فالكل مستهدف والكل ضعيف حتى الفرد بات مكشوف الظهر في بلاده وخارجها.

لو استطلعنا بعض دول العالم لوجدنا في فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وهولندا وأمريكا والمكسيك والبرازيل والصين وغيرها من البلدان راية واحدة حتى لو كان في كل منها ألف حزب، فالانجليزي إنجليزي والفرنسي فرنسي والإيطالي إيطالي أما العربي فيمكن أن يكون مصريا وسعوديا وفلسطينيا وتونسيا ويمنيا وسوريا وعراقيا، وهذا الأخير يمكن أن يكون شيعيا وسنيا ونصرانيا ومسلما وأرمنيا وعربيا وكرديا وابن الرافدين وجنوبيا وشماليا وبعثيا ووطنيا وإسلاميا وعلمانيا ومعارضا ومواليا وقس على ذلك بقية البلدان. فكم من الرايات رُفعت؟ وكم من الرايات ووليت؟ وكم من القيادات انوجدت؟

ولما يجتمع العرب على عدو، وهم في رحاب سايكس - بيكو، فهل يمكن تصور كم من الأيديولوجيات والرايات تُرفَع؟:

على الصعيد المحلي ثمة:

-الماركسية بأنواعها اللينينية والستالينية والماوية والتروتسكية والفيتنامية والكوبية؛

-والإسلامية بأنواعها الإخواني والصوفي والدعوي والتحريري والجهادي والسلفي الرسمي؛

-والوطنية بأنواعها الثورية والسلمية والشعبية والشخصيات الوطنية والوجهاء والأعيان والقبائل والعشائر والحمائل والعائلات الكبرى والطوائف والأديان والمذاهب والإثنيات!؛

-والقومية بأنواعها الرجعية والتقدمية والاجتماعية والجماهيرية؛

-والرسمية بمؤسساتها من رأس الدولة مرورا بالجامعة العربية حتى البرلمانات والنقابات؛

وعلى الصعيد الدولي فالرايات تُرفع بحسب الطلب فتارة تكون:

-راية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والشرعية الدولية؛

-وتارة تكون الأصدقاء والشرفاء والأحرار في العالم والمنظمات غير الحكومية؛

-وتارة يكون الاتحاد السوفياتي والصين وحركة عدم الانحياز وحركة التضامن الأفرو - آسيوية وهلم جرا.

كل هذه الرايات التي صنعها الغرب أصلا ولا يحتاجها إطلاقا تشبه مؤسسة في دولة فاشية يذهب إليها مواطن ليقضي فيها حاجته فينجح مرة ويفشل عشرات المرات وقد لا ينجح إلا بانتزاع الوعود الكاذبة من السماسرة تماما كما هو حال القضية الفلسطينية التي لم تنجح بانتزاع أو تطبيق قرار واحد منذ وجدت.

والعجيب أن الرايات الوطنية والأيديولوجيات العلمانية والإلحادية نجحت في مواطن نشأتها بينما فشلت في البلاد العربية. فقد نجحت في أغلب الثورات الآسيوية وفي الصين والهند وروسيا وأوروبا، وفقط في العالم العربي فشلت، ورغم الفشل الذريع والهزائم المنكرة التي يتلقاها العرب والمسلمون على يد القوات الأمريكية والصهيونية وأحلافهما منذ عقود ثمة من يتمسك بعدْ بالرايات القطرية والقومية واليسارية وحتى الإسلام الوطني الذي غدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت