الصفحة 3 من 49

مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية

(من التوحيد إلى صناعة القيادة)

د. أكرم حجازي

في يوم جمعة من أواخر الثمانينات من القرن الماضي، كنت واقفا أمام مقر عملي وقريبا من المسجد في إحدى البلدان العربية رفقة أحد الزملاء، وأمام ناظرينا وعلى مقربة من موعد الصلاة، توقفت شاحنة صغيرة وهي تقل مجموعة من الشباب الملتحين وهم يرتدون جلابيب بيضاء، ثم بدؤوا ينزلون من الشاحنة بصعوبة ليقع بعضهم أرضا أو ينفلت الآخر فيمسك به زميله وثالث يتلمس الأرض بقدمه كما لو أنه يخشى السقوط! وبينما أراقب الموقف وكزني زميلي في خاصرتي ساخرا: أهؤلاء سيحررون فلسطين؟ وللحق فقد ضحكت من المشهد وقهقهت وقلت له: أتراني أخالفك الرأي؟

في تلك الأيام، وقبل عشرين عاما على وقوع المشهد، لم تكن السلفية الجهادية، التي كانت تخطو آنذاك خطواتها الأولى، لتثير كثيرا فضول الباحث أو المراقب، ولم يكن أحد ليصدق أو يتخيل أنه سيأتي يوم يمكن أن يهتز فيه العالم بأسره من فعل هؤلاء الذين كانوا في حين ما موضعا للسخرية والآن هم في دائرة صناعة الحدث العالمي، وفي دائرة القلق العالمي، بل وفي دائرة الحرب العالمية على ما يسمى مكافحة الإرهاب.

كيف ينتظمون؟ لا أحد يعرف، من هم؟ لا أحد يستطيع تتبعهم بسهولة، كيف يتجندون ويتكاثرون؟ هي مشكلة المشاكل، من يدعمهم ويمولهم بعد تجفيف منابعهم؟ الكل يخمن ويتنبأ، ما هي أطروحاتهم واستراتيجياتهم؟ قلَّ من يعلمها أو يعبر عنها خلا الأعضاء والأنصار وبعض المراقبين ممن يعدون على الأصابع، ونسبيا الباحثون الذين غفلوا عن الظاهرة فباغتتهم على حين غرة وطعنت في كفاءتهم. وعليه فإننا نقر مسبقا أننا لسنا بصدد ظاهرة تقليدية مألوفة، ولعل في هذا بعض العزاء، فلا الغربيون المعاصرون ولا العرب ولا المسلمون في شتى أنحاء العالم ولا غيرهم أيضا عاشوا مثيلا لها. فما الذي يمكن أن يفهمه عالَم اليوم، وليس الأمس، بمسلميه ونصاراه وبوذييه وهندوسييه وملحديه من أطروحات السلفية الجهادية عن قضية التوحيد أو الراية أو الحاكمية أو سايكس- بيكو بينما هو غارق حتى ناصيته بالحداثة والعولمة ولغة السوق؟

بالتأكيد فهذه الأطروحات ليست موضع ترحيب ولا تتمتع بالكثير من المصداقية عند أقران السلفية الجهادية، أو أنها منبوذة، فهي بنظر البعض مستحيلة التحقق ومتطرفة عند البعض الآخر وخارجية عند ثالث وباعثة على الفتن عند رابع وسبب رئيس في تشويه الإسلام عند خامس ومشبوهة عند سادس وهكذا. ولكن هذه التوصيفات لا تختلف كثيرا بالنسبة للسلفية عما واجهه محمد بن عبد الوهاب ومن بعده أئمة الدعوة النجدية حين جهروا في دعوتهم إلى التوحيد، بل أنها لا تختلف عما واجهه الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في أعقاب حادثة الإسراء والمعراج، فمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت