الصفحة 4 من 49

صدق حينذاك، غير قلة في مقدمتها الصحابي الجليل أبو بكر، بأن ما وقع كان حقيقة؟ فهل سيصدق أحد أن ما تفعله السلفية اليوم منطقي؟ أو مشروع؟ أو ممكن التحقق؟

لا شك أن ضربة 11 سبتمبر وحرب العراق وما أعقبهما من ظهور الجماعات الجهادية وفي مقدمتها تيار السلفية الجهادية مثل فرصة ثمينة جدا لفهم الظاهرة، ولا شك أن الإعلام الجهادي الإلكتروني عبر عشرات الشبكات الجهادية قد وضع النقاط على الكثير من الحروف ونجح إلى حد كبير في استفزاز الباحثين والدارسين للاطلاع على حقيقة الخطاب السلفي الجهادي ليس من خلال الرموز فقط بل، وهو الأهم، من خلال رؤية الرواد والكتاب والعلماء وطلبة العلم والمنظرين وما يطرحونه من مواقف ورؤى. والحقيقة أن هذه الأطروحات، الواقعة في إطار حرب الأفكار الدائرة في ساحات المنتديات بين مختلف التيارات الإسلامية الجهادية وغير الجهادية، كشفت عن بعض مكنونات الظاهرة وكيفية التصدي لها بالبحث. لكن، يبقى الإشكال الرئيس في قدرة الباحث على الاستمرار في متابعة الظاهرة التي نؤكد، للمرة الثانية، بأنها مرهقة جدا ومهمة عسيرة للغاية خاصة ما تصدره الشبكات أو ما يدور في المنتديات من حوارات ساخنة وتعبير عن المواقف التي تمثل، ولا ريب، رصيدا معرفيا خاما وهائلا باشتماله على أدق التفاصيل ومختلف التوجهات، ولعل معاينة كبريات القضايا التي تطرحها السلفية الجهادية لا ينبغي، منهجيا، أن يخرج عن هذه الساحات.

في مناسبات سابقة، كنا قد بحثنا في جذور نشأة السلفية الجهادية، وسلطنا الضوء على بعض أفكارها [1] ، ولكن عذرية الظاهرة تتسبب دوما، ودون رحمة، بإلقاء المزيد من التساؤلات الغزيرة عن ماهية هذه الأطروحات بحسب فهم السلفية الجهادية لها؟ ومن يصنع القيادة فيها؟ وبأية شروط؟ ووفق أية آليات؟ ولماذا تحتاج الأمة إلى قيادة؟ وراية؟ وما علاقة سايكس بيكو بنوعية القيادة؟ ولماذا ترفض السلفية تسليم القيادة لأية جماعة أخرى؟ أما لماذا هذا العناء فلأن الظاهرة لم يجر توصيفها حتى الآن، ولما يكون الأمر كذلك فهل بمقدورنا، كباحثين، تحليلها؟ ناهيك عن نقدها؟

الأكيد أن التساؤلات كثيرة وكبيرة، أما الإجابات فقليلة إن لم تكن نادرة أو خاوية إنْ وجدت، والأسوأ أن السلفية الجهادية ذاتها ما زالت تقدم خطابا بلغتها هي لا بلغة العصر ولا بلغة العامة، وخطابا، إذا ما قسناه بلغة العلم، فهو أقرب إلى خطاب النخبة منه إلى خطاب العامة من الناس بمن فيهم المثقفين، فإذا نادت السلفية، مثلا، بمقاومة"الطاغوت"أسقطته الغالبية حصرا على الحاكم وحده وعدّته خروجا على الإمام، وإذا نادت بمحاربة"سايكس - بيكو"رأت فيه العامة والخاصة فتنة ورجعية وخروجا عن التحديث وسنن التغيير، وإذا ربحت معركة وصفوها بالإرهاب وإذا خسرتها حملوها المسؤولية، ومع كل هذه التناقضات تستمر السلفية الجهادية كظاهرة في تحديها دون أن تلتفت كثيرا لما ينتظرها، هكذا هي في أفغانستان والعراق ولبنان والشيشان وباكستان ... وبصورة تبعث على الدهشة فعلا حيثما وجدت، فما من جماعة جهادية أو حركة تحرر سابقة عليها اشتغلت بنفس الطرق والأدوات ماضيا وحاضرا، ولعلنا كنا نسمع ونراقب على الدوام، ولمّا نزل، عن محاولات سياسية من جماعات جهادية ووطنية تبدي استعدادها للمفاوضات ولو بشروط بينما لم نقع على أية مبادرات من هذا النوع من قبل السلفية الجهادية اللهم تلك التي لا تخلو من إهانة للقوى الغازية وبشروط عسكرية صرفة أو شرعية [2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت