أقرب ما يكون إلى الأيديولوجيا! وهي في طريقها إلى التعليب، ولم يسأل سائل: لماذا نفشل دائما حيث ينجح الآخرون؟ فلا راية اهتدت إلينا ولا نحن اهتدينا إليها. ببساطة: من يستطيع جمع الأمة على راية واحدة من هذه الرايات [53] ؟ ولماذا لم تجتمع طوال عقود عليها أو على واحدة منها؟ فهل من السنن [54] أن نفشل؟ أم أن الإسلاميين بالذات هم من فشلوا حين خالفوا السنن فيما نجح غيرهم؟
بالتأكيد ليست الراية عند السلفية الجهادية مجرد قطعة قماش مطرزة بألوان تميزها عن غيرها من الرايات، وليست محض رموز تشحذ الهمم، بل هي مضمون جرى انتزاعه وتمزيقه شر ممزق، وجوهر حضاري تم تفكيكه، ورسالة سماوية جرى تعطيلها وعقيدة مغيبة ودين محارَب وأمة مفتتة غدت كغثاء السيل، وحرمات منتهكة، وعدالة مسلوبة وظلم واقع ... الخ إنها باختصار إشكال وجودي يجعل من الإسلام والمسلمين في مهب ريح القوى العظمى ما لم يتم تدارك الأمر. ولكن من هو المعني بالراية؟ ومن هو عدوها؟
من الأهمية بمكان ملاحظة أن جماعة ترفع راية التوحيد لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تقبل بوجود رايات علمانية من أي نوع كانت وإلا فلا مبرر لرفعها أصلا. لذا فالسلفية الجهادية، برفعها راية التوحيد، يعني أنها تحررت من كافة الأطر الحزبية والتنظيمية والمؤسساتية والجغرافية الضيقة [55] وتحصنت في أطر لا تتسع لها السموات والأرض، وبالتالي إذا لم يكن من مجال لحضور سايكس - بيكو ومشتقاتها فلا مجال لتجاهل التوحيد حيث يحضر ويكون [56] . وعليه تجهد السلفية في التركيز على تمييز رايتها باعتبارها راية الأمة لتلغي كل الحدود الجغرافية والجنسيات والملل والنحل مستعيضة عنها بأمة التوحيد أينما كانت وتواجدت. وفي مثل هذه الحال فالراية هي راية المسلم الشيشاني والكشميري والباكستاني والعربي والآسيوي والأمريكي والأوروبي والأفريقي وحتى المسلم المريخي إن وجد، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
الطريف في مسألة الراية المرفوعة هذه ليس التشكيك بسلامتها إنْ كان بها من اعتراف أصلا من قبل الخصوم. بل بإنكار بعض العلماء لها، ونسبة مجاهديها لمن"يقاتلون في سبيل الشيطان" [57] ! أو التصريح بأنهم"عملاء للاستعمار والصهيونية العالمية" [58] ، أو أن"بن لادن إنسان تافه" [59] ! ولا شك أن مثل هذه الفتاوى والتصريحات تندرج في سياق الخصومة مع السلفية الجهادية أكثر من اندراجها في أية سياقات موضوعية ناهيك عن اندراجها في أية سياقات شرعية أو حتى ذات طابع شرعي [60] . إذ أن مثل هذه التصريحات والفتاوي تعني أن الراية غير موجودة أو على الأقل غير صحيحة وبالتالي فلا جهاد جائز ولا مقاومة ممكنة؟ وتعني بقاء التساؤلات المطروحة بلا إجابة: ما العمل إذن؟ هل يجدي القعود والأمة في حطام؟ وهل يجدي الطعن في الجهاد والمجاهدين وتكفيرهم بينما العدو يصول ويجول في أفغانستان والشيشان وفلسطين والعراق والصومال وقواعده العسكرية رابضة على أجزاء من البلاد ثم يقال هؤلاء موجودون في إطار المعاهدات والاتفاقات الثنائية؟ هل تستطيع دولة أن تمنع الأمريكيين من استخدام أراضيها ومطاراتها في ضرب أية دولة أخرى من المفترض أنها شقيقة أو صديقة؟ هل من العقلانية والمنطق أن يجتهد بعض العلماء في الطعن بالجهاد الحاصل ولا يجتهدون في بيان سلامته؟ أو متى يكون صحيحا ومتعينا؟
كل هذه التساؤلات وغيرها ستظل بلا إجابة، وإلا فما هي الإجابة التي يحصل عليها العامة، مثلا، لما يفتي عبد العزيز آل الشيخ بأن المجاهدين يقاتلون في سبيل الشيطان أو الطاغوت؟ فمن هو الطاغوت المقصود؟ وما هي مواصفاته؟ وإذا كان الأعداء الصائلين ممن فتتوا الأمة واحتلوا أرضها ومزقوا نسيجها الاجتماعي ونهبوا