ثرواتها ودنسوا مقدساتها ليسوا من الطواغيت فمن يكونون إذن؟ وما علاقة طاغوت الفتوى بطاغوت القوى الغازية؟ أم أن هذه القوى ليست من الطواغيت؟ ثم كيف اتضحت هوية من"يدعوا الجهاد"عقديا وفكريا وسلوكيا بينما لم تتضح هوية طاغوتهم الذي يقاتلون في سبيله؟ ونفس الأمر ينطبق على تصريحات الرئيس اليمني. فالمرء يحتار فعلا حين تخرج تصريحات بهذا المستوى من العجب. فقد يمكن تفهم اتهام الظواهري وبن لادن بأنهم عملاء الاستعمار والصهيونية العالمية وهو ما يحلو للبعض التغني به وكأنه من المسلمات، ولكن من هي المخابرات الدولية التي فشلت في إلقاء القبض عليهما إن لم تكن تنتمي إلى القوى الاستعمارية والصهيونية؟
على كل حال فرغم أن مرحلة الجهاد الأفغاني الأول أكد على عالمية الإسلام والجهاد والقضايا الإسلامية إلا أن راية السلفية الجهادية لم تكن قد تبلورت بعد بهذا الوضوح الذي نعيشه إلا مع انطلاقة المرحلة الثانية على يد حركة طالبان التي استضافت رموز وقادة القاعدة. وبقطع النظر عن خلفية ما يروجه البعض من الجماعات والكتاب فيما يتعلق بالتوجه الجديد للسلفية الجهادية نحو العالمية فإن الإعلان المدوي عن تشكيل"الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والصليبيين"سنة 1998 كان له القول الفصل في:
(1) إظهار الراية للأمة خاصة وأن الرايات الأخرى إما أنها تراجعت وإما أنها سقطت؛
(2) إعادة التأكيد على هوية أعداء الأمة ردا على من بات يعتبرهم أصدقاء أو حلفاء أو أمرا واقعا.
وبالتالي تحديد وجهة الراية عبر الجمع بين اليهودية العالمية بما فيها إسرائيل والقوى الغربية الصليبية باعتبارها القوى الصائلة في بلاد المسلمين. أما خلفيات هذا التحديد فيقع في السياقات التالية:
-الربط بين المساجد الثلاثة باعتبارها جزء من العقيدة والدين لا مجرد مباني خاصة. ولأن السلفية تعتبر المساجد الثلاثة منتهكة الحرمات ومدنسة خاصة مع وجود القوات الأجنبية في الجزيرة العربية وما تراه السلفية موالاة الحكومة المحلية لها، فضلا عن الخطر المحدق في المسجد الأقصى فمن الأولى والأوجب النظر إليها قضية واحدة لا تتجزأ ولا يجوز تجزئتها. ولعل أهمية الربط تكمن فيما تحمله المساجد الثلاثة من رموز دينية وعقدية يمكن للأمة أن تجتمع عليها.
-إن انهيار الخلافة وتقسيم الوطن العربي وتفتيت الأمة واغتصاب فلسطين وضياع العقيدة لم يكن بفعل الصهيونية وحدها بل بفعل تحالف عالمي معادي للأمة برمتها ولدينها وعقيدتها وطامع في ثرواتها ومهدد لمصيرها، وبالتالي فلا يمكن هزيمته إلا بتحالف إسلامي مضاد تشارك فيه كل الأمة وليس بعضها. على أن يتخذ صيغة جهادية لا صيغا سياسية أو إعلامية أو حزبية على شاكلة منظمة المؤتمر الإسلامي أو الجامعة العربية أو الوحدة الوطنية، فما من أحد يتحدث اليوم عما تسميه السلفية بدعوات جاهلية:"دعوها إنها منتنة".
-إن نجاح التحالف العالمي باختراق الجدار الإسلامي وتهديده من الداخل هي حوادث استخدمت فيها القوة المسلحة الغاشمة والجبارة، ومقاتلته لا تكون إلا باستنفار الأمة وتجنيدها لمقاتلة العدو الصائل عبر إحياء وتفعيل فريضة الجهاد التي أصبحت فريضة متعينة وليست فريضة كفاية.
-ضرورة إحداث التوازن [61] في المواجهة بين الغرب (الكافر) والإسلام (المؤمن) بحيث يتحقق مقصود الآية الكريمة: {إِن تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمونَ} (النساء، 104) ، لذا فإن 11 سبتمبر جاءت لتؤكد على وجوب أن يألم العدو في دياره كما يألم المسلمون في ديارهم، أو بصيغة د. عبد الله النفيسي نقل المعركة من الأطراف إلى المركز [62] .