لهذه الأسباب وغيرها تبدو الأمة بحاجة إلى راية تجتمع في ظلها بحيث تكون المعادلة أمة مقابل أمة وراية مقابل راية أو فسطاط إيمان مقابل فسطاط كفر على حد قول أسامة بن لادن [63] أو الظواهري في شريطه"حقائق الصراع بين الكفر والإيمان". لكن من الأهمية بمكان ملاحظة التطور المستمر في محتوى الراية لدى السلفية الجهادية، وفي هذا الإطار يمكن رصد أكثر من حدث يؤشر على تضخم مضطرد في"فسطاط الإيمان"نثبت منه ما يلي:
1)تَنَبُّه الجماعة الإسلامية المقاتلة في وقت مبكر، إلى ضرورة الانضواء تحت راية واحدة والحيلولة دون ظهور جماعات جهادية أخرى مستقلة، في ليبيا، خشية تشتت الجهد وضياع الراية [64] . لكن حين كانت الجماعة في أفغانستان لم ترغب في الاندماج بالقاعدة لا لموقف ممانع أو مشكك بل لخشيتها من تجمع المجاهدين في مكان واحد بحيث يسهل توجيه ضربات قاتلة لهم وهو ما أقر بصحته أبو مصعب السوري لاحقا في أعقاب الهجوم الأمريكي والمجزرة التي تعرض لها المجاهدون [65] خاصة في قلعة جاجي.
2)وفي هذا السياق بالذات من وحدانية الراية من الأهمية التوقف عند حالة الجزائر، فالجماعة السلفية للدعوة والقتال لم تندمج في تنظيم القاعدة كما يفهم من وسائل الإعلام أو الكثير من الكتاب، كما أنها لم تبدل اسمها باسم آخر ولو أنها أصدرت إشعارا بتغيير الاسم لاحقا على بيان البيعة [66] ، بل أن ما جرى هو إعلان صارخ عن إنشاء قاعدة الجهاد في بلاد المغرب الإسلامي بهدف توحيد الراية في كافة المناطق المغاربية كبديل عن التشتت، لذا لا معنى لاستبدال الاسم خارج الدلالات التي يقع فيها، ولا معنى للاندماج خارج المقاصد التي يرمي إلى توضيحها والسعي إلى تحقيقها، وهو ما يؤكده بيان البيعة:"إن ضراوة الحرب، وقساوة الوضع وتكالب الأعداء على المسلمين وتحالفهم عليهم، وشدة بطشهم والتنكيل بهم يتطلب من المسلمين عموما والمجاهدين خصوصا أن يواجهوا التكتلات بالتكتلات, ويتصدوا للأحلاف بالأحلاف, ويقابلوا حشد القوة بحشد القوة ويكسروا الوحدة بالوحدة. فالولايات المتحدة الأمريكية لا يكسر شوكتها إلا الولايات المتحدة الإسلامية وأمّا التشرذم والتشتت والتفرق فإنه لا يهزم عدوا ولا يسترجع حقا ولا يردع ظالما ولا ينصر دينا ولا يرفع راية". [67]
3)من يراقب خطابات رموز السلفية الجهادية سيلاحظ بلا أدنى شك أن القاعدة لم تعد إلا واحدة من أدواتها الضاربة، وعلى هذا فليس صحيحا ما يشاع أن القاعدة تحتكر الجهاد وبالتالي تحتكر الراية. بل أن الجماعات السلفية الجهادية في العراق ليست لها أية علاقة تنظيمية بالقاعدة إلا في إطار دولة العراق الإسلامية وما تفرضه وحدة الراية وضرورات التنسيق الميداني فيما بينها، والأهم أن السلفية، بهذا المعنى، تكون قد تجاوزت مرحلة الراية التنظيمية نحو راية التوحيد، ومن يعتقد بخلاف ذلك فهو أبعد ما يكون عن فهم مقاصد خطابات السلفية التي لم يرد على لسان أي من رموزها ولا في نشراتها ما يدعو إلى الالتحاق بالقاعدة، ولنا في ذلك أكثر من مثال:
-دعوة بن لادن والظواهري في أشرطة صوتية ومرئية إلى دعم المحاكم الإسلامية في الصومال والثناء عليها وهي ليست من القاعدة.
-دعوات الظواهري المتكررة لأبناء الجماعات الإسلامية كي يقاتلوا تحت راية التوحيد إذا ما أخلت جماعاتهم بشروط الحاكمية وعقيدة الولاء والبراء وبالأهداف التي وجدت من أجلها، وليس مهما الانخراط في تنظيم القاعدة [68] طالما أن الراية هي راية التوحيد. وهذا يؤشر إلى حد كبير على أن خطابات الظواهري لا