الصفحة 15 من 49

و22 منظومة قانونية و22 بحر و22 فضاء، وكان لديهم حرمان شريفان فصار عندهم نجف أشرف! وقائمة لا تنتهي من التمزق [29] . أما لو أسقطنا سايكس - بيكو على الخلافة كرمز اجتماع العالم الإسلامي فلنتصور حجم التمزق لذي وقع على أمة الإسلام والمسلمين، والأهم من هذا أن أحدا من الأجيال الراهنة، حكاما ومحكومين، لم يعش في حياته لحظة عروبة واحدة ولا لحظة توحيد صافية منذ مائتي عام على الأقل.

وبلغة العامة والخاصة يؤثَر عن منتجات سايكس - بيكو القول:"اتفق العرب على ألا يتفقوا"، هذه العبارة يرددها رعايا سايكس - بيكو ابتداء من"الزعيم"وانتهاء بـ"الواد سيد الشغال". فما من فرد عربي، من قمة الهرم السياسي إلى أدناه، إلا ويدرك أن الحديث عن مسمى الوحدة العربية هو مضيعة للوقت ليس إلا. إذ أن منطق الأمور يؤكد على استحالة التوحد انطلاقا من بنية لا تشتمل على أي عنصر وحدوي على الإطلاق، وبالتالي فإن كينونتها وآليات اشتغالها لا يمكن لها أن تعمل بغير التمزق كهدف وكحصيلة نهائية لمبررات وجودها، وعليه فإن كل أدواتها لا يمكن لها أن تنتج غير مزيد من التفكك، فهل يعقل القول أن الدعوة إلى الوحدة العربية، عبر هذه الكينونة، مفهوم يجمع؟ ولا يفرق؟ فضلا عن القول بإمكانية تحقيقها؟

نظريا، وحين البحث عن عناصر الوحدة ومبرراتها، يبدو الأمر ممكنا، ولكن عمليا من يستطيع أن يحقق الاجتماع العربي بأدوات ولدتها تقنيات سايكس - بيكو عبر 22 وحدة بنيوية أصبح لكل منها طموحاتها وأهدافها وشروطها ورؤاها وآليات اشتغالها؟ ففي الجزيرة العربية استبدل الاسم بدول الخليج العربي كنظير للخليج الفارسي، ورغم تماثل البنى الجغرافية والسكانية والاقتصادية ظلت قطر هي قطر والبحرين هي البحرين والكويت في واد مثلما هي عمان في واد آخر أما اليمن التي تعد الخزين الحضاري والديمغرافي للجزيرة فهي تعيش وكأنها في قاع الأرض. وفي دول المغرب العربي لدينا وحدة جغرافية وسكانية مفككة كبلاد الشام، أما مصر فقد انتزعت من العروبة والإسلام ليعاد إرسالها إلى رحم الفرعونية وكأنها باتت بلاد بلا تاريخ إلا من أبو الهول وأهرامات الجيزة وشارع الهرم سيئ السمعة والصيت! ولما يكون الأمر كذلك فعلى أية أسس ينادي القوميون وأمثالهم بوحدة لن تتحقق أبدا؟ وكيف يمكن لوحدة أن تتحقق بعد هذه العقود إذا كان البعض يتخوف الآن من تجزئة القطر نفسه ويدعو إلى الحفاظ على تماسكه!؟

أما الشواهد على اشتغال آليات التجزئة فثمة منها ما يفوق كل تنبؤ، فما دامت سايكس - بيكو تعمل بكامل طاقتها وعنفوانها فلن يكون مستغربا أن تشمل عمليات التفكيك الحضاري والأخلاقي والإنساني العقيدة نفسها ويُعتدى على الدين والأنبياء والرسل وتشوه صورة الإسلام ويحرف الدين عن بكرة أبيه حتى يغدو ملائما لليبرالية، وها هي دول التجزئة تتلقى المزيد من المطالب بتعديل مناهجها التعليمية، وليس العلمية غير الموجودة أصلا، بحيث تؤدي عمليات التعديل إلى إلغاء عقيدتها حتى لا تكون للأمة أية مرجعية يعتد بها حين تقع النوازل عليها. بل أن الظاهرة العجيبة التي تضرب العالم العربي على الخصوص أن أحاد الناس بات معنيا بمخاطبة الغرب بعد أن كان هذا الخطاب حكرا على الدولة، فالفرد والقبيلة والحزب والجماعة والنقابة والمؤسسة وكبار المسؤولين وحتى صغارهم والشخصيات النافذة ورجال الأعمال والوسطاء والسماسرة والفنانين وغيرهم كلهم الآن باستطاعتهم نسج الخيوط والعلاقات مع الغرب دون وجل أو خشية من مراقبة أو محاسبة أو اتهام، بل أن بمقدور الكثير من هؤلاء الاستقواء بالغرب والاستعانة به وتهديد مصير بلاده ومصالحها دون أن يرتد له طرْف [30] ، بل أن بعضهم يدافع باستماتة عن خياراته"الوطنية"ويدعو الآخرين إلى الاقتداء به إذا أرادوا الخلاص من الديكتاتورية [31] ! والسؤال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت