الصفحة 16 من 49

الغريب العجيب: لِمَ يخاطبنا الغرب بلغة واحدة فيما بتنا نخاطبه عربا ومسلمين بمائة لغة؟ لِمَ يجتمع علينا ونفترق عليه؟ لماذا ينجح ونحن نفشل؟ ما هي آلياته؟ وما هي آلياتنا؟ ولماذا تنتج سايكس - بيكو عمالة محمودة في عالمنا العربي؟

ولعل أطرف ما في سايكس - بيكو كثقافة ما خزنته المصادر والمراجع في عقول الأجيال عن ثورات وحركات تحرر واستقلال عن القوى الاستعمارية، فما أن حلت هذه القوى حتى شُرِع في تدشين ثورات وطنية من أجل الحرية والاستقلال! ولم يعد العرب يطالبون لا بالتوحد ولا بالخلافة. وكم كان الاستعمار كريما وهو يسمح لـ"الشعوب العربية"بمناهضته بالسلاح بينما هو في قمة النشوة أن مخططاته نجحت سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وحتى طائفيا، وصارت سايكس - بيكو واقعا وفكرة وعلامة سياسية برسم الاستقلال والتحرر وتقرير مصير! وباتت الأعلام ترفرف على المؤسسات الوطنية والنشيد الوطني يتلى صباحا في المدارس وكأنه قرآن. فمن يصدق اليوم أن السنة والشيعة في العراق اتحدوا آنذاك في جبهة واحدة ليشكلوا كتائب العشرين التي أذاقت الإنجليز الويلات؟ بينما نفس القوى الغازية للعراق اليوم تشعل الحرب الطائفية بأبشع صورها وتهدد بتقسيم دول أخرى؟ وتسعى كل طائفة إلا الاستقلال عما أصبح بين ليلة وضحاها غريمتها؟ إذا كان العرب لا يصدقون أن أهداف الاستعمار آنذاك كانت تقضي بصناعة وطن مستقل ذو مواصفات استعمارية فكيف سيصدقون أن الاستعمار ذاته يجد نفسه بعد كل هذه السنين مضطرا لتفكيك ما صنعته يداه؟ لعلنا كنا مغفلين، في لحظة من الزمن، ونحن نصنع سايكس - بيكو بأيدينا، وسنكون مغفلين حتى النخاع إذا ما زلنا نعتقد أن الوطن الحر المستقل المعترف به دوليا بمنأى عن الاندثار بأيدي من صنعه.

هذا أقل ما فعلته معاهدة سايكس - بيكو لتبدأ عملية الاشتغال الثقافي تأخذ المنحى الغربي التام حتى في الأنماط الثقافية والحياتية العامة والخاصة. لذا فإن سايكس - بيكو ليست ولم تعد مجرد معاهدة استعمارية بقدر ما هي حالة ثقافية بأتم معنى الكلمة واقعا وسلوكا. بل إن التقسيمات الجغرافية والتي صمم الكثير منها بصيغ خطوط الطول والعرض وأخذت شكل الدولة المستقلة، ومنذ اللحظة الأولى، ظهرت كما لو أن كلا منها سليل حضارة مستقلة قائمة بذاتها حتى لو لم يكن الأمر كذلك تاريخا، وحتى لو اضطرت مثل هذه الدول إلى زراعة حضارات وتواريخ لها من جديد أو إعادة استنبات المدفون منها حتى لو كان على ذمة المستعمر.

تنظر النظرية الماركسية إلى المجتمع باعتباره مكون من بنية تحتية وبنية فوقية، وإذا وضعنا سايكس - بيكو في مستوى البنية التحتية فإن كل ما أنتجته وتمظهر في البنية الفوقية هو بالتأكيد من ذات الصناعة والمحتوى. وهو بلغة ماركسية مجرد أيديولوجيا لا أكثر ولا أقل. لذا فإن السلفية الجهادية ترفض كل البناء باعتباره بناء باطلا ومخالفا للشريعة. وعليه ينبغي هدمه من الأساس لإعادة البناء من جديد على أسس شرعية، فهل يكفي هذا التوصيف لنفهم حقيقة العبارة التي ترددها السلفية وأنصارها على الدوام والتي تحولت إلى أساس كل صراع [32] "الدم الدم والهدم الهدم" [33] ؟

من العبث التفكير بأن صراع السلفية الجهادية مع الأنظمة السياسية العربية هو صراع فردي أو سياسي، ونكاد نجزم أن أحدا من رموز السلفية الجهادية الذين تعج بهم أخبار وسائل الإعلام ومحافل الأمن لم يكن في يوم ما في السلطة ولا خاض معها صراعا على امتياز. والأصح التفكير بالصراع باعتباره صراعا بين منظومتين فكريتين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت