إحداهما عقدية والأخرى غير عقدية، فما الذي تعنيه السلفية الجهادية حين تصف مخالفيها بأنهم صناعة سايكس - بيكو وحملة ثقافتها؟
على الصعيد السياسي، وتأسيسا على عقيدة التوحيد، فإن موقف السلفية الجهادية من الجماعات الإسلامية كافة يتحدد بالنظر إلى تفاعلها سلبا أو إيجابا مع ما أنتجته سايكس - بيكو من مؤسسات وأنظمة وقوانين وأيديولوجيات ومفاهيم ومصطلحات وغيرها [34] . فالوطنية والقومية واليسارية والليبرالية هي مفاهيم أيديولوجية رافقت ظهور الدولة الحديثة مثلما رافق ظهورها الحاكم والقبيلة والعشيرة والحزب والنقابة والمؤسسة، أما الدعوة إلى تعميم الوعي والديمقراطية والعلمانية والحرية والقانون والنظام والحقوق والواجبات أو المناداة بها وإسقاطها على كامل المجتمع فقد تلازمت هي الأخرى، على السواء، مع نواقضها من التسلط والقمع والسجون والمطاردة والتضييق على الحريات وانخفاض خطير في سقف المطالب الاجتماعية إلى حد البحث عن الأمن والملاذات الآمنة، وليس أدل على ذلك من حجم اللجوء السياسي لمواطنين عرب إلى الدول الغربية وحتى إلى دول مجاورة، وقس على ذلك ما تشاء من الإفرازات حتى أن المعارضة لا يمكن لها أن تفلت من كونها جزء من التكوينة الاستعمارية بقطع النظر عن أية معايير أخرى بما فيها الراديكالية مهما بلغت من المصداقية وقدمت من تضحيات [35] .
الأهم في سايكس - بيكو بوصفها حالة ثقافية هو ذاك الخراب الذي أصاب القيم الاجتماعية والأخلاقية والدينية في الصميم، إذ أن قيم العنصرية تضرب الغالبية الساحقة من البلدان العربية وتجد من يدافع عنها ويتفاخر بها، وأكثر من ذلك فيما يتصل بقيم من المفترض أنها منبوذة عقديا وشرعيا إلى حد اعتبارها من الكبائر كالكذب وشهادة الزور والسرقة والفساد والزنا والغدر والاحتيال والنصب والاحتكار واللامبالاة والاستهتار حتى في الدين وسب الإله والأنبياء، ولا غرابة إذا قلنا، من واقع التجربة والمعاينة، إن بعض المجتمعات العربية تغزوها اليوم أحط القيم وأشدها تناقضا لدرجة أن المرء يتساءل فعلا إن كانت هذه المجتمعات ذات قيم إسلامية كما يروج لها القائمون عليها أو أن لها علاقة ما بالإسلام! إذ من السهل ملاحظة شيخ نصاب ومصل كذاب ومحدث جاهل وجار سوء وصديق غادر ومتبرجة تصوم وموظف لئيم وزانية تعمل بترخيص حكومي.
في سايكس - بيكو أيضا كل يغني على ليلاه! حتى الثقافة السياسية للمواطن غدت ذات مواصفات عنصرية بغيضة وضيقة وهي تحصر نفسها بأطر جغرافية واجتماعية، وبتنا نلحظ لغة من نوع"البلاد بلادنا ونحن أحرار فيما نفعل بها"! ثم تطورت إلى صيغة"أولا"، ولما تكون الثقافة بهذه الصيغة فالسؤال المشروع: أيها يكون ثانيا وثالثا ورابعا وخامسا؟ الدين؟ العقيدة؟ وما هو الترتيب الذي يحتله الحرمان الشريفان أو المسجد الأقصى؟ وهل يمكن حماية ما تبقى من جغرافيا أو تركيب اجتماعي ينزلق نحو القبيلة والعائلة والفرد بدلا من الأمة؟ وهل يمكن لثقافة من هذا النوع أن تقيم وزنا يذكر حتى لتاريخها وإرثها الحضاري؟ وقد شاهد العالم أجمع كيف أن كل التراث العراقي والوجود الحضاري له خاصة الخزين الحضاري الإسلامي من إرث الخلفاء والدولة الإسلامية لم تساوي عند الأمريكيين سلامة وزارة النفط وآبارها التي بدت بلا أدنى شك أثمن من عشرة آلاف عام من الحضارة بكل محتوياتها، وأكثر من ذلك وأهم أن تحطيم هذا الخزين كان يقع بأيد نهلت ثقافتها وعقيدتها من معين سايكس - بيكو.