الصفحة 18 من 49

ولا شك أن مثل هذه المشاهد في رحاب سايكس - بيكو تبدو أكثر غرابة لدى الحركات الإسلامية التي نالت القسط الأكبر من هجوم السلفية الجهادية عليها على خلفية الدفاع عن سايكس - بيكو وتبني أطروحاتها من دولة وطنية إلى دولة علمانية يجري تخفيف وطأتها عبر التعبير عنها بـ"دولة مدنية"! كما أن بعض الجماعات الجهادية نكصت على عقبيها وبات خطابها السياسي والديني أشد وقعا على الجهاد والمجاهدين وقضايا الإسلام من خطاب السلطة ذاته الذي يضطر في كثير من الأحايين إلى التواري في تصريحاته خشية إثارة الرأي العام من حوله فيما لا تتوانى جماعة إسلامية، على خلفية أحداث مخيم نهر البارد مثلا، عن تقديم الفلسطينيين وكأنهم المذنبون فيما وقع عليهم من ظلم تاريخي فضلا عن أن مسلحيهم لا يحترمون البلدان المضيفة لهم [36] . أما القضايا الكبرى مثار الخلاف فتكمن فيما تعتبره السلفية الجهادية تراجعا من هذه الجماعات عن الأهداف التي نشأت من أجلها كقضايا الحاكمية والجهاد والموقف من الدولة و"أنظمة الطواغيت"والتحالف مع القوى المعادية للأمة، محليا وخارجيا، ومحاربة المشروع الجهادي العالمي كما حصل في أفغانستان والعراق والجزائر وحتى فلسطين. زد على ذلك أن بعضها أصيب بآفة الغرور والتعصب بحيث بات التنظيم بعينها هدفا بحد ذاته والسد الوحيد الذي بدونه ستنهار الأمة وبعضها الآخر لمّا يزل أسيرا لأطروحات قديمة غير مجدية ناهيك عن جماعات أخرى ليس لها من الإسلام أكثر من الطبل وإحياء المناسبات، بل أن النفيسي في ندوته الشهيرة يذهب أبعد من ذلك وهو يصف هذه الجماعات، في الجزيرة العربية، وعلى اختلاف مسمياتها ما عدا القاعدة، بأنها"داخلة مع السلطة في البزنس".

لكن، هل كان من الممكن أن تنتج سايكس - بيكو غير هذه المشاهد؟ وهل من المعقول أن تتمكن هذه المنتجات من العمل بغير ما تفرضه سايكس - بيكو من أدوات أو ما تتيحه من وسائل؟

لعل منطق الإجابة يشير أنه من المستحيل على من يلجأ إلى إفرازات سايكس - بيكو أن يستعمل تقنيات مغايرة، فمن يرتضي القَسَم على الدساتير الوضعية مثلا أو يقرر الولوج إلى ساحة الفعل السياسي العلني أو ينشئ جماعة مرخصة لا بد له وأن يعترف أولا بأن لكل منظومة وسائلها وتقنياتها ومدخلاتها، ولا بد له أن يقبل بقواعد اللعبة كما تفرضها خصائص النشأة، وحينها لا تثريب عليه فيما هو ذاهب إليه من سياسات وما يترتب عليها من نتائج، لكن الاحتجاج باجتهادات شرعية أو سياسية لتبرير اختياراته هو ما يثير السلفية الجهادية التي ترى في مثل هذه التوجهات والمواقف ردّة وإرجافا وتخذيلا أو ليّا لعنق النصوص كما يقول أبو يحيى الليبي [37] ، كما لا ينفع، في مثل هذه الحالات التي تستدعي موقفا شرعيا صارما، التحصن بتاريخ الجماعة وتضحياتها ولا بالثقة في رجالاتها ولا بالمراهنة على عامل الزمن ريثما تثبت صحة السياسات المتبعة وكأنه وقفٌ عليها تحبسه بسياساتها متى تشاء وتفرج عنه متى تشاء وما على الأمة إلا الانتظار أو منح الثقة بلا تحفظ! ومع ذلك: أليست السلفية الجهادية ذاتها قد خرجت من رحم سايكس - بيكو؟ فلماذا تعيب على الآخرين ما هو عيب فيها؟

إنها كذلك بالتأكيد، إلا أن الفارق بين السلفية الجهادية والجماعات الأخرى يكمن في تحكيم الشريعة والالتزام بها فيما يذهب إليه كل منهما في سياساته، وهو المعيار ذاته الذي يتيح للسلفية إعلان حالة الحرب على سايكس - بيكو وكل مخلفاتها بنفس القدر الذي تعلن فيه الحرب على القوى الغربية والمعادية للأمة، في حين تبدو الجماعات الأخرى قانعة بقواعد اللعبة إلى درجة تمكن أقربها للجهاد:

-من نبذ وإدانة الفكر السلفي الجهادي ووصفه بالفكر الخارجي والغريب عن الأمة؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت