الفصل من قاعدة تقول:" [ليس كل قائد مدير وليس كل مدير قائد] ، ولكنه يسعى إلى تحويلها لتصير [كل قائد مدير وليس كل مدير قائد] ". وبطبيعة الحال هو يجتهد في ذلك بناء على تجارب الجماعات السابقة التي فشلت بفعل الاختراقات الأمنية أو السياسية وأحبط عملها وهو ما لا يريد للسلفية الجهادية أن تقع فيه [88] .
من المألوف أن التيار السلفي بعرف السياسات الحكومية والأمن الدولي منبوذ، وقادته وعناصره مطلوبون لكافة القوى الدولية والمحلية، كما أنه مهيب الجانب من شتى الجماعات الإسلامية والعلمانية ومحارَب من طرف الكثير منها، وعليه فإن التفريط في المسائل الأمنية أو الإدارية أو العسكرية من شأنها أن تلحق أضرارا بالغة بالتيار وتوجهاته ورايته، وتبعا لذلك فهو تيار عامل تحت الأرض لا فوقها، وتيار خفي لكنه نشيط حتى في الجبهات المفتوحة، ولما تكون أهدافه تبلغ مصالح الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها وزيادة عليها"المستضعفين في الأرض" [89] وأعداؤه من نوع"هبل"و"اللات"و"العزى"، فمن المفترض أن نتوقع قيادات من نوع مختلف مقارنة بما سبق من نماذج عديدة سقط بعضها وتراجع آخر ودافع ثالث عن ثقافة التغيير السلمي ورابع أبدى استعداده للتفاوض حول ما يفترض أنها ثوابت بينما لا نجد مثل هذه التحولات لدى السلفية الجهادية منذ نشأتها قبل نحو عشرين عاما.
باختصار، هل خصائص وأنماط القيادة التي تفرزها ثقافة التوحيد هي نفسها الخصائص والأنماط الكائنة في ثقافة سايكس - بيكو؟
في تحليله لمفهوم الدولة يقدم أبو بكر ناجي فكرة طريفة يرى فيها أن الدولة في العصر الحديث هي الدولة أينما تكون، لكن الفرق يكمن فيما تكتسبه الدولة من محتوى أيديولوجي، فإذا ما اكتسبت الدولة العربية أو الإسلامية ثقافة التوحيد وأنزلت الحاكمية منزلتها فلا غبار عليها، لذا فهو يعتقد أن الأحزاب العلمانية نجحت في السيطرة على الدولة فيما كان الإسلاميون يتناظرون في بنائها على الطريقة النبوية! أما السلفية الجهادية فهي مدعوة لتطبيقه على القيادة عبر فهم الفروق، ولأنها مسألة يصعب التثبت منها إلا من أصحاب الشأن فإن صراحة الشيخ عطية الله من جهة وصرامة أبو بكر ناجي تبقى هي المداخل الأكثر أهمية للفهم، ففي ضوء السؤال إياه، يقدم الشيخ عطية الله توصيفا للسلفية الجهادية، بوصفها اليد الأمينة على الراية، على النحو التالي:
"عندما أقول"الحركة الجهادية"فإنني أعني بها:"
-الحركة الجهادية العالمية التي هي مشروع أمة الإسلام الكامل ... التي لا ترضى بأنصاف الحلول والتسويات،
ولا تلتقي مع عدوّها الكافر في منتصف الطريق، ولا ترضى بالفتات!!؛
-حركة أخذت على عاتقها الإحاطة بهذا الدين من كل جوانبه بحسب الوسع والطاقة ... من مبادئها: ليس عندنا ما نخسره: نحن بين إحدى الحسنيين: نصرٍ أو شهادة؛
-حركة غاية الجهاد عندها ودافعه هي: أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدينُ كله لله، هذا هو المبدأ الأساسي والأكبر والمقصد الأعظم؛
-حركة لا تعترف إلا بشرعية ديننا وشريعتنا المطهرة ... كمرجعية مطلقة، لا بما يُسمّى اليوم بـ"الشرعية الدولية"وغيرها ... ؛
-لا تعترف بسايكس بيكو والحدود التي صنعها ووضعها أعداء الأمة ومزقوها بها، ...
-حركة عرفت عدوّها جيدا وعرفت أعداء الأمة ولم تعد منخدعة فيهم أو مغترّة بنفاقهم وألاعيبهم .. لا تسلم قيادتها إلا للأمناء على الدين فعلا ... إن راية الجهاد لابد أن تكون في أيد أمينة، يمكن ائتمانها على الجهاد"."