الصفحة 35 من 49

إذن هذه القيادات لا يمكن أن تُصنع على عجل ولا أن تدفعها الظروف أو المصالح للظهور ولا هي قيادات ولدت بالترقيات ولا بالأقدميات ولا بالمصاهرات ولا هي من ذوي القربى ولا من المرضي عنها وليس أعضاؤها من سادات القبائل والعائلات ولا من ذوي الحسب والنسب وحواشي السلطة، إنها قيادات مرّستها ميادين الحركة من تنقلات أمنية خطرة ومهمات معقدة ومطاردات وتَخَفِّي وقتال شرس وخطوب ومحن قاسية واقتحام لأهداف من المفترض أنها مستحيلة حتى بعرف الحرب الباردة وليس بعرف سايكس - بيكو فحسب. ولعله من الإنصاف عدم المقارنة بين قيادات السلفية والقيادات الأخرى باعتبار أن لكل بيئة منتجاتها وللظروف أحكامها، ومع ذلك فإنه"حق للجميع أن يجاهد ويساهم، لكن حق أيضا لأمثال هؤلاء أن يعرفوا قدر أنفسهم" [90] .

هنا بالضبط يتدخل أبو بكر ناجي ليكشف عن متلازمة العلم الشرعي، كي لا تنفلت الأمور من عقالها فيسقط القادة ويسقط معهم المشروع الجهادي برمته، مؤكدا على:

-"أن يكون أغلب قادة الحركة الإسلامية قادة عسكريين أو عندهم قدرة على القتال في الصف على الأقل ... ؛"

-خطورة ترك القرار السياسي بأيدي من لا يخوض المعارك العسكرية تحت أي حجة. (لذا يجب) أن يكون القرار السياسي صادرا من القائد العسكري، بل الإدارة السياسية كلها أو أغلبها ينبغي أن تكون من المقاتلين من مساعدي القادة العسكريين وجنودهم ... فالمعركة معركتهم قبل أن تكون معركة غيرهم؛

-أن يعمل هؤلاء القادة على إتقان علم السياسة كإتقان العلم العسكري سواء بسواء.

-القرارات الإدارية والسياسية العليا الخاصة باستهداف فئات والكف عن آخرين ... يجب أن تمر، وقبل أن تصدر، على الراسخين في العلم في حركة الجهاد الرئيسية، أو عالمًا راسخًا في العلم مشهودًا له بذلك تبعًا لمعايير شرعية صحيحة إذا تعذر الرجوع إلى علماء حركة الجهاد الرئيسية" [91] ."

غير أن هذه الضوابط لا تعني أن للقيادة سطوة على ما دونها، فهي وإن كانت أبوابها مفتوحة إذا ما تحققت شروطها إلا أن للقواعد، التي من اللازم تنميتها وتوعيتها حتى تصل إلى مرحلة متقدمة من النضج والوعي والعلم الشرعي، حق المراقبة على أداء القيادات السياسية اعتمادا على مبدأ الثقة الذي تكون عناصره الحيوية"في عصرنا ... مبنية على معطيات ثابتة لقيادة تم اختبار صدقها عمليًا وفي شتى الميادين" [92] ، فإذا ما ضعف هذا المبدأ، الذي تغذيه الأحكام الشرعية والثبات والصبر على البلاءات والمحن والإرادة والعزيمة وقبل كل شيء عقيدة الولاء والبراء وميادين المعارك والأمن، فمن شأن أي قرار سياسي كبير أن يحدث بلبلة وربما تفككا في الجماعة. وفي الحقيقة فإن الحديث عن الضعف صعب القبول بما أن المقصود هو اختبارات ثقة أو ما تسميه السلفية بـ"تجاوز العتبة أو القنطرة"، فمن قطع مراحل الاختبارات سيكون من شبه المستحيل عليه النكوص بالنظر إلى أن خياراته في التراجع تكاد تبلغ من النسبة المئوية صفرا أو أقل.

لا شك أن اختبارات الثقة للقائد ليست من النوع التقليدي الذي يسود الجيوش وحركات التحرر، وكذا الأمر فيما يتعلق ببناء القيادات وصنعها، فهناك مثلا خصائص هامة جرى التعبير عنها في الكثير من المواضع منها تزكية بن لادن لبعض منفذي هجمات سبتمبر وهو يصفهم بالحياء وسمو الأخلاق والصبر والمواظبة على قيام الليل [93] وهي صفات ذكرت أخيرا بحق شهاب قدورة الملقب بـ"أبو هريرة"أحد قادة فتح الإسلام الذي سقط مؤخرا ورفضت قريته دفن جثمانه فيها فاستحق لقب الغريب كما استحقه غرباء العصر في شتى ميادين الجهاد. لكن ثمة خصيصة لا يمكن أن تفلت من ثقافة التوحيد وهي مسألة العزيمة والإرادة والهمة فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت