الصفحة 36 من 49

اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران 159) {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} (محمد21) ، وهنا يمكن أن يتساءل المراقب وهو بأقصى حالات الاندهاش: ما الذي يجعل رجلا مثل أبي مصعب الزرقاوي يقطع آلاف الأميال من هيرات بأفغانستان إلى العراق متجهما كل المخاطر سعيا لمقاتلة دولة تفر منها الدول وجبابرة العصر!؟ وما الذي يدفع التسعة عشر لفعل ما فعلوه لو لم يكونوا يتسموا فعلا بالعزم والتصميم وعلو الهمة؟ بل ما الذي يجعل بن لادن يترك الدنيا وراءه بملايينها وزخرفها مفضلا عليها البرد والقيظ وحياة الكهوف والمعاناة؟ وفي الواقع فإن هذا هو حال الملا محمد عمر وداد الله والظواهري وأبو مصعب السوري والجزائري وأبو أنس الشامي وأبو حفص المصري وسيف العدل وسليمان أبو غيث وعبد الهادي العراقي ومصطفى أبو اليزيد وأبو يحيى الليبي وأبو الليث الليبي وعطية الله وحسن معصوم وجمعه باي وخالد الشيخ ومحمد عطا وعبد العزيز المقرن ويوسف العييري وأبو الوليد الغامدي وحامد الجبوري وأبو حمزة المهاجر وأبو عمر البغدادي وشاكر العبسي وأبو سياف وجمال أبو سمهدانة وغيرهم الكثير.

في ساحة العراق تواجه السلفية الجهادية جبهة من الأعداء يصعب تصورها، ومع ذلك يصول مقاتلوها ويجولون ويبذلون جهودا جبارة للإفلات من العملاء والأعداء من أجل أن ينجحوا بزراعة عبوة ناسفة [94] ، ويضطرون إلى خوض المعارك وحدهم في الكثير من المناطق كما يحدث في ديالى، فأي عزيمة وإرادة يتحلى بها هؤلاء؟ ليقدروا على الجهاد ومواجهة شظف الحياة ومعاناتها وتربص الجيوش الغازية بهم ومطاردة الخونة والعملاء لهم؟ والطريف حقا لا يكمن في عزيمتهم بل في نفاذ صبر القادة العسكريين الأمريكيين مما يواجهونه من هؤلاء المقاتلين. فإذا كان من المثير أن يكرر الأمريكيون على الدوام، رغم الضربات الموجعة التي يتلقونها، عزمهم على تحقيق النصر في العراق فإنه لمن المدهش والمعجز حقا أن يعلن المجاهدون عن تصميمهم على بلوغ ما يرونه أقصى درجات التوحيد.

أيضا لوحظت الكثير من وسائل اختبارات الثقة منها عمليات ذبح للأسرى أو ممن أدينوا بالخيانة ومعاونة المحتل وأعوانه، ففي الأشرطة التي بثتها بعض الجماعات الإسلامية خاصة جماعة التوحيد والجهاد التي أسسها وقادها الزرقاوي كان اللافت للانتباه فيها وجود فريق كامل يحيط بالضحية أحدهما يلقي بيانا واثنين أو ثلاثة يقومون بالحراسة ومراقبة المشهد وآخر مهمته التصوير الفيديوي، ولو أن الغاية من بث الشرائط المروعة هو إرهاب الأعداء إلا أنها لا تخلو من كونها آليات اختبار للتمرس على الشدة والغلظة مما يبعث على الاعتقاد بأن الفريق قد يتغير بفريق آخر.

ومن الأساليب أيضا التدريب في ساحات القتال، فقد غلب على بعض عمليات القاعدة في الجزائر خاصة تلك التي استهدفت سبعة مراكز للشرطة في ولاية تيزي أوزو موقعة بعض الخسائر كما لو أنها أقرب إلى العمليات الاستطلاعية والتدريبية من كونها عمليات هجومية يقصد منها إيقاع الخسائر، أما في العراق فقد أعلن البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية في خطاب صريح"عن تخريج أكبر دفعة في تاريخ العراق لضباط الجهاد في سبيل الله وبدرجة العالمية العليا" [95] مبينا أن"الدراسة متواصلة بلا انقطاع صيفا وشتاء، ليلا ونهارا"، ولسنا ندري ولا نجد تفسيرا كيف يكون في العراق متسعا من الوقت والمكان لدراسة وتدريب على هذا النحو الرفيع فيما البلاد تشهد حربا طاحنة منذ خمس سنوات لا مثيل لها في أي بلد آخر. ولعل الأقرب إلى المنطق أن يكون هؤلاء قد تمرسوا في الميدان على مختلف الأسلحة والوسائل القتالية وفي مختلف الظروف الجوية [96] إلى جانب اتباع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت