الصفحة 10 من 49

وفي السياق من الجدير الإشارة إلى أن مسألة التوحيد تشكل جوهر الخلافات التي تعصف بالجماعات الجهادية في العراق على خلفية مستقبل البلاد وبالتحديد بين تيارات السلفية الجهادية من جهة وتيارات الجهاد ذات النزعة الوطنية من جهة أخرى. ويمكن القول بصريح العبارة أن كل الصراعات والاتهامات والتحالفات وردود الفعل والحملات الإعلامية وغيرها أيا كان محتواها أو آلياتها إن كان لها من منطق فهو منطق واحد لا يتجاوز مسألة التوحيد بأي شكل من الأشكال، إذ أن السؤال المطروح هو: لماذا نقاتل؟ ولأية أهداف؟ [15]

-إذا كان الجواب، بلغة السلفية، لتعميم جهاد التوحيد وتحرير بلاد المسلمين وإقامة حكم الله في الأرض فهذا يعني أن الجهاد ماض لن يتوقف بقدر ما سيعمل على عبور الحدود، فكما في العراق وأفغانستان والشيشان وغيرها موحدون ففي فلسطين والأردن وسوريا ولبنان ومصر والمغرب ونيجيريا وإندونيسيا والفلبين موحدون أيضا، فلمن يُترَك هؤلاء؟ وبأي نوع من التوحيد يمكن إرجاءهم وإهمالهم؟

-أما إذا كان الجواب جهاد التحرير بغرض طرد الاحتلال واستعادة العراق لحريته وكفى الله المؤمنين شر القتال فمن الطبيعي أننا إزاء منظومتين فكريتين متناقضتين [16] ليس وقوع الصراع بينهما غريبا خاصة وأن التوحيد مسألة لا تقبل القسمة بحيث يمكن توزيعها وفقا لاحتياجات ومتطلبات هذه الجماعة أو تلك. فالتوحيد إذن واحد، وما ينطبق على هذه الجماعة أو البلد ينطبق بالضرورة على ذاك أو تلك.

غير أن أهم الملاحظات على تعميم ثقافة التوحيد لدى السلفية الجهادية تكمن فيما تتلقاه من اتهامات بالتكفير لدرجة أن الخصوم باتوا يلمزونها أو يجهرون صراحة بوصمها وروادها بـ"التكفيريين". على أن القاعدة تنفي هذه التهمة جملة [17] . وحقيقة الأمر أن مسألة التوحيد بحد ذاتها هي مصدر الاتهامات باعتبار الكفر أو الشرك رديفا لها، ولعل ساحات المنتديات في الشبكات الجهادية هي من ساهم مساهمة فعالة بتعميم فكرة التكفير بسبب المشاحنات الحامية بين الأعضاء والعجلة في إصدار الأحكام حتى على صغائر الأمور مع الإشارة إلى ما يراه الشيخ عطية الله وغيره اختراقات للمنتديات [18] .

لكن هذه المشكلة التي غالبا ما يقع تجاوزها في ساحة ما يستعصي مواجهتها في ساحات أخرى أكثر أهمية خاصة حين تكون في الميدان الجهادي أو على تماس مباشر مع المجتمع. فبعض المنتسبين للسلفية الجهادية وصلوا مرحلة من الاعتقاد والسلوك تستعصي على الفهم فيما يتعلق بالتوحيد والكفر ومتطلبات الحياة اليومية، وإذا ما تعارضت قناعاتهم وأفهامهم مع العلماء والفقهاء من السلف فلا يجدون غضاضة من التنكر لهم وعدم الأخذ عنهم، وحتى فقه الضرورات لا يعملون به ولا يقيمون له وزنا فتراهم عالة على أنفسهم وأبنائهم وغيرهم خاصة وأنهم لا يعترفون بمسجد ولا بمؤسسة ولا بهوية ولا بجواز سفر ولا بفاتورة كهرباء أو ماء أو هاتف ولا بأية علاقات مالية متضمنة لمدفوعات ضريبية للدولة، ولو رغبوا في الزواج لفضلوه بلا عقد! بل أنهم لا يتوانون عن التكفير لأتفه الأسباب، وإذا فعلوا قاطعوا الآخر حتى لو كان من أقرب المقربين فلا يسلمون عليه ولا يدعون له ولا يجالسونه ولا يجادلونه لا بالحسنى ولا بغيرها، والحوار معهم منقطع، ولعل النبذ والعزل كان من نصيبهم لما تسببوا فيه من التنفير والأذى للعامة والخاصة وللدين، ومثل هؤلاء يتبرأ منهم حتى أنصار السلفية الجهادية لجلافتهم وتعنتهم وسوء معاملتهم وتطاولهم على المجاهدين وعلى مشايخهم [19] .

واقع الأمر أن هذه الخلافات والردود والصور مبررة بما أنها تكشف حقيقة عن أن التوحيد في الأمة موضع خلاف بالنظر إلى اختلاف منظومات القياس لدى القوى الإسلامية ناهيك عن القوى العلمانية، وحتى أنه موضع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت