مسلم موحد، أنا كافر؟ أنت اليهودي ... أنا موحد ... أنا موحد ... أنا أقول لا إله إلا الله وأنت تقول عني يهودي ... ينعن بوك يا وِلْد ..."، وفي المقابل، إذا اختلف أحدنا مع الآخر أو طغى أو غضب ترى من حوله يتطوعون لزجره وإعادته إلى جادة الصواب بالقول:"وحد الله"أو"صلي على النبي"."
هاتان صورتان تعكسان، ولا شك، مكانة التوحيد في نفسية الفرد، لكن هل يمكن القول أن الأمة على توحيد خالص؟ سؤال يصلح للبحث بامتياز، أما من حيث المبدأ عامة ومشاهد الحياة الاجتماعية والثقافية اليومية خاصة فليس من الصعب الإجابة عليه بالنفي، بل أن من يقرأ الكتب التاريخية في المائتي سنة الأخيرة من الحكم العثماني سيصاب بدهشة من فظاعة أنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي سادت بين الناس، والتي وصلت في مناطق كثيرة خاصة في شبه الجزيرة العربية إلى ما يشبه الردة، فالفساد والرشاوى وأسعار الفائدة والابتزاز والسلب والنهب والإغارات القبلية والسمسرة والنفاق والكذب والزوايا والاستغاثة بالسحرة والمشعوذين والأموات والتبرك في القبور كانت علامات بارزة في حياة الناس الذين تعاملوا معها كما لو أنها عادات اجتماعية وحقائق راسخة خاصة وأننا نتحدث عما يشبه القيم التي عاشت بين الناس وبلغت من الزمن عتيا.
على أن أغرب ما في كَتَبَة هذا التاريخ أن الباحث قد لا يجد في متونها ولا حواشيها إنكارا أو تلميحا إلى مخالفة شرعية لا من شيخ ولا من مؤرخ ولا من عالم أو فقيه، ولولا بعض الحركات الإسلامية والدعوية كالوهابية في الجزيرة وغيرها في السودان ومصر لكان حقا على المرء أن يتساءل فعلا: أوَلم يشعر هؤلاء الناس من الأجداد أن الشرك يداخلهم من كل ناحية؟ وأنهم باتوا، في ضلالاتهم وبدعهم، أقرب ما يكونوا إلى الشرك من قربهم إلى التوحيد؟ وهل يمكن الحديث في ظل هذا النمط من الحياة عن مجتمع إسلامي أو أمة مسلمين؟
الحقيقة لمن يطلع على مجريات الحياة الاجتماعية العربية في أواخر الحكم العثماني سيغلب عليه الشعور وكأنه يقرأ تاريخا لمجتمعات وثنية أكثر منها مجتمعات إسلامية. فأي نوع من التوحيد هذا الذي يجعل أهله ممن قست قلوبهم وغلظت طباعهم وجَلُفَ سلوكهم؟ بينما الدين المعاملة؟
إذن لعل الأمة [3] ، ومنذ قرون من الزمان، تبدو أبعد ما تكون عن التوحيد رغم أنها عاشت في خضم غطاء إسلامي ممثلا بالخلافة، فكيف يكون حالها وهي خارج هذا الغطاء منذ نحو قرن من الزمن؟ ألا ينطبق عليهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:"إذا تبايعتم بالعينة، وتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلاًّ لا يرفعه عنكم حتى تعودوا إلى دينكم"؟
في المقابل فلعل أهم ما أنجزته السلفية الجهادية في التاريخ الراهن لهذه الأمة أنها أعادت إحياء وتفعيل التوحيد كأهم مصطلح شرعي على الإطلاق لا يوازيه في المكانة والعمل حتى إعلانها للجهاد. فهي تقيس كل سلوكها وفعالياتها طبقا لمفهوم التوحيد ودلالاته وشروطه بوصفه الباروميتر الذي سيؤدي العمل به إلى إعادة استنبات جديدة لكل التشريع الإسلامي بحيث يكون بديلا عن كل التشريعات الأخرى ويسعى لخلق ثقافة مغايرة على النقيض من كل الثقافات والأيديولوجيات التي جلبتها معها سايكس - بيكو.
لا ريب إذن أن عقيدة التوحيد ينبغي أن تكون مقدمة لأية فعاليات تقع على مستوى الأمة باعتبارها منهاج حياة وليست قولا في اللغة ولا مجرد اصطلاح في الدين، ذلك أن الزج بالمفهوم في خضم الحياة اليومية سيقدمه باعتباره الفيصل في الحكم على النوازل التي قد تصيب الفرد والجماعة والأمة مثلما هو الفيصل في الحكم على سلامة الاعتقاد والوطن والمقدسات والحقوق والواجبات، وهو الفيصل في الحكم على كل فعل أو سلوك، وهو