من قول كلمة الحق فيهم والتخلص منهم باعتبارهم"علماء سوء"أو"تجار دين"، فمثلهم من يبرر أو يجادل أو يدافع عن ثقافة سايكس - بيكو ومنتجاتها، ومثلهم من يسهل عليه دعم سياسات الدولة والحاكم وتبني أطروحات الغرب في"تهذيب"الإسلام ونبذ التطرف ومحاربته، ومثلهم من أجاز غزو البلاد الإسلامية وشرّع لبناء قواعد عسكرية ضخمة على أراضيها ومنعوا أهل البلاد من مقاومتها وأحالوا أمر جهاد الدفع إلى ولي الأمر باعتباره الإمام وهو الذي لم يدعُ في يوم ما إلى نفير أو شارك في جهاد، ومثلهم من يجهد في إصدار فتاوى القعود والتشكيك بالمجاهدين وصولا إلى وصمهم بالإرهاب والخوارج ودعاة الفتنة. ومثلهم من ينتصر للوطن والنظام أكثر مما ينتصر للعقيدة والأمة [41] ، ومنهم من يروج لما يسميه بالإسلام الوسطي [42] المعتدل. ومثلهم من وصل بهم الأمر إلى حد السخرية من الجهاد والمجاهدين ومن كل مقدس ومحرم حتى أن بعضهم سار في ركب فتنة الجهاد والمجاهدين في ساحات مختلفة من الجهاد [43] فامتطوا ظهور الدبابات الأمريكية وشاركوا في الحكومات العميلة وشرّعوا لقواعدهم الفتك بالمجاهدين ومحاربتهم وكشف مخابئهم وإعانة المحتل عليهم، وكل ذلك تحت بند الاجتهاد!
لكن المشكلة الحقيقية ليست في هذه التوصيفات التي تعج بها أدبيات السلفية الجهادية بل فيمن يصنعها، ولعل أبرز من تنبه لإشكالية من هذا النوع كان الشيخ أبا محمد المقدسي الذي خصص مؤلفا ثقيلا رفض فيه النظام التعليمي ومخرجاته برمته، وحمله مسؤولية الفشل والضلال والجهل الذي تعانيه الأمة في دينها [44] ودنياها. إذ أن هذا النظام صمم، ابتداء من المدرسة وحتى الجامعة، ليفرز شرائح واسعة من العلماء والفقهاء وطلبة العلم ذوي النزعة القطرية ممن يتمتعون بهوى وبمواصفات تميل إلى المسكنة والدِّعة والراحة ولا تأبه للجهاد والمشقة.
والثابت أن مواقف العلماء والفقهاء تجاه الأحداث الكبرى تختلط وتتناقض رغم تشابهها إلى حد التطابق، وتتأرجح بين التأييد العلني تارة للجهاد والمجاهدين وبين الخضوع لسطوة السلطان تارة أخرى وبين التطوع لعداء سافر أو الانزواء، فمن بين المواقف صدور فتاوى تدعم الجهاد في أفغانستان وتحرض عليه وتدعو للنفير لرد الاحتلال الشيوعي بما في ذلك فتاوى مماثلة ضد جرائم الشيعة في العراق وما يسمى بالمشروع الصفوي في المنطقة، ولكن ثمة فتاوى أخرى نفرَّت من الجهاد في العراق بحجة غياب الإمام والراية، وليس مفهوما كيف يتمتع الشيعي بامتياز المجاهدة ولا يكون للغازي والمحتل المعاملة بالمثل! ومنهم من أفتى باعتبار القوات الأجنبية مستأمنة في بلاد المسلمين، وآخرون أفتوا بمقاتلتهم إبان حرب الخليج الثانية.
لا شك أن مثل هذه الفتاوى تجعل من حسم الموقف مع العلماء مهمة عسيرة على السلفية الجهادية ومريرة، لكن ملاحظة تمايز بينهم على أساس قربهم أو بعدهم عن الجهاد والمجاهدين يمكن أن يسهل المهمة ويضيق الخناق على من يسميهم د. أيمن الظواهري بـ"علماء السوء"ويتيح لها الاستفادة من علمهم وتوسيع دائرة العلماء العاملين، فهم ليسوا صنفا واحدا ولا يمكن أن يكونوا كذلك، فثمة:
1)صنف جهادي عامل، التحق بساحات الجهاد وعمل بها لسنوات طويلة وما يزال على حاله، ومثل هؤلاء فقدوا كل الدنيا وما فيها وتفرغوا للجهاد في ساحاته وميادينه.
2)صنف جهادي يشرِّع للجهاد والمجاهدين ويدعم أطروحاتهم ويصدع بمواقفه غير آبه بأية عواقب، حتى أن أغلبهم يقبع في السجون أو أنه دفع حياته ثمنا لفتاواه.