-والعياذ بالله -، وهذا خِلاف ما أُنزل من أجله وهو أن يهتدي به الناس إلى الله تعالى والدَّار الآخرة لأنه شِفاء للقلوب بالقصد الأول، وشفاءٌ - أيضًا - للأبدان بغير أجْرة ولا أثمان.
وقد تقدم بيان ذلك.
كَمَا تقدم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لـ «عثمان بن أبي العاص» - رضي الله عنه: (واتَّخِذ مؤذنًا لاَ يأخذ على أذانه أجرًا) ، فإذا كانَ هذا في الأذان - وهو أقلُّ شأنًا من القرآن - فما بَالُكَ بِشَنَاعة الْمُتَاجَرة بالقرآن وأخْذِ الأُجْرة عليه؟!.
وإذا كان «الفُضَيل بن عِياض» ~ لَمَّا رأى من بعض التابعين كثرةَ تلاوة القرآن قال: (إنَّما نزَل القرآن لِيُعمل به فاتَّخذتم تلاوته عَمَلًا) فقيل له: كيف العمل به؟!؛ فقال: (لِيحلُّوا حلالَه، ويُحرِّموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه) انتهى [1] ، فهو ~ خاف انصراف الهِمَم إلى كثرة التلاوة مع التهاون بالعمل، فكيف إذًا لو رأى المحترفين بالقرآن في وقتِنا المتاجرين به؟!.
ومُلخَّص المسألة أنَّ مَن جعَل قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) عامًّا مُطْلَقًا فإنه مُخَالِف لِمُراد الله من إنزال القرآن، ومُحتال بالدِّين على الدنيا، وصارف مرادَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لِهَواهُ ومُراده - والعياذ بالله -.
(1) «اقتضاء العلم العمل» للخطيب البغدادي، ص (76) ورقم (116) .