ولا بد للسائر في طريق مكافحة الجريمة وتعقب المجرمين من أن يدرك أن المجرم مهما كانت له صولة وجولة وعزة ومنعة ظاهرة فإن مصيره إلى السوء، وعاقبته إلى الخسران، وقد أمرنا الله تعالى بالتدبر في هذا الأمر ليكون عونًا لنا على اجتناب سبيل المجرمين من جهة، وعلى عدم الوهن في ابتغاء هؤلاء المجرمين ومحاسبتهم ومعاقبتهم بما يليق بهم في الدنيا مع إيكالهم إلى الله تعالى في الآخرة، وتأمل معي هذه القاعدة القرآنية في تقرير هذا الأصل العظيم، حيث قال تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} [[1] ].
فلنقرأ التاريخ لا لنتباكى على أمجاد الماضي وإنما لنأخذ العبر التي تفيد الحاضر، نعم لقد استباح التتار بغداد وسفكوا دم مليوني مسلم، ولا يعني هذا أن نسلم بغداد لصليبيي أمريكا ليقتلوا مليوني مسلم آخرين، وإنما يعني أن نلحق الصليبيين المجرمين بمن سبقهم من كفرة التتار والمغول والصليبيين الأول لتعوي على جثثهم الهالكة كلاب التاريخ ولتقف بغداد شماء أبية تقول بملء فيها: حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
ثاني عشر: الدعاء:
وقد جعلته آخرًا لأن الدعاء لا بد من أن يكون معه شيء من قطران [[2] ]، وهذا القطران هو تحصيل ما يمكن تحصيله من مقدمات وأسباب وبذل الوسع في تحصيل ما يرضي الله عز وجل قبل أن نمد أيدي التضرع والذلة بين يدي الله الحق، لنكون أقرب إلى حال العبد المجتهد في خدمة سيده الواقف ذليلًا بين يديه معترفًا بتقصيره، لا كحال ذلك العبد الآبق الكسول المتخاذل الذي يرجو سيده ولا حسنة لديه تشفع له ولا عمل لديه يدلل على صدق ذله وضراعته بين يدي مولاه.
ونحن إذا ما قمنا بالاجتهاد في تحصيل وسائل التصدي لهذه الدولة المجرمة واستنفذنا وسعنا وبذلنا جهدنا بصدق وإخلاص وجد وعزيمة، فإننا نأمل من الله تعالى أن نرفع أكف الدعاء كما رفعها من قبل موسى عليه السلام حيث قال تعالى: فدعا ربه أن هؤلاء قومٌ
(1) سورة النمل - 69
(2) القطران مثل القار ويطلى به البعير الجرب، ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بأعرابي يدعو الله أن يشفي بعيره الأجرب فقال له عمر: هلا جعلت مع دعائك شيئًا من قطران. وهذا بيان لمعنى التوكل الحقيقي وهو أن تأخذ بالأسباب ثم تدعو الله وتتوكل على الله.