ثمّ تحلّ عقد الكفن للاستغناء عنها ، ويسوّى اللّبن على اللّحد ، وتسدّ الفرج بالمدر والقصب أو غير ذلك كي لا ينزل التّراب منها على الميّت ، ويكره وضع الآجُرّ المطبوخ إلاّ إذا كانت الأرض رخوةً ، لأنّها تستعمل للزّينة ، ولا حاجة للميّت إليها ، ولأنّه ممّا مسّته النّار .
قال مشايخ بخارى: لا يكره الآجُرّ في بلادنا للحاجة إليه لضعف الأراضي ، وكذلك الخشب .
ويستحبّ حثيه من قبل رأسه ثلاثًا: لما روي عن أبي هريرة: « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صلّى على جنازةٍ ، ثمّ أتى القبر فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا » .
ويقول في الحثية الأولى: { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ } ، وفي الثّانية: { وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } ، وفي الثّالثة: { وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } .
وقيل: يقول في الأولى: اللّهمّ جاف الأرض عن جنبيه ، وفي الثّانية: اللّهمّ افتح أبواب السّماء لروحه ، وفي الثّالثة: اللّهمّ زوّجه من الحور العين ، وللمرأة: اللّهمّ أدخلها الجنّة برحمتك . ثمّ يهال التّراب عليه ، وتكره الزّيادة عليه ، لأنّه بمنزلة البناء .
ويحرم أن يوضع تحت الميّت عند الدّفن مخدّة أو حصير أو نحو ذلك ، لأنّه إتلاف مالٍ بلا ضرورةٍ ، بل المطلوب كشف خدّه ، والإفضاء إلى التّراب استكانةً وتواضعًا ، ورجاءً لرحمة اللّه . وما روي « أنّه جعل في قبره صلى الله عليه وسلم قطيفةً » ، قيل: لأنّ المدينة سبخة، وقيل: إنّ العبّاس وعليًّا رضي الله عنهما تنازعا فبسطها شقران تحته لقطع التّنازع. وقيل: كان عليه الصلاة والسلام يلبسها ويفترشها ، فقال شقران: واللّه لا يلبسك أحد بعده أبدًا فألقاها في القبر ، ولكنّه لم يشتهر ليكون إجماعًا منهم ، بل ثبت عن غيره خلافه كما رواه التّرمذيّ أنّ ابن عبّاسٍ كره أن يلقى تحت الميّت شيء عند الدّفن .
وعن أبي موسى قال:"لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئًا".
ولا تعيين في عدد من يدخل القبر عند جمهور الفقهاء ، فعلى هذا يكون عددهم على حسب حال الميّت ، وحاجته ، وما هو أسهل في أمره .
وذهب الشّافعيّة ، وهو قول القاضي من الحنابلة ، إلى أنّه يستحبّ أن يكون وترًا ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ألحده ثلاثة .
ولو مات أقارب الشّخص دفعةً واحدةً ، وأمكنه دفن كلّ واحدٍ في قبرٍ ، بدأ بمن يخشى تغيّره، ثمّ الّذي يليه في التّغيير ، فإن لم يخش تغيّر بدأ بأبيه ، ثمّ أمّه ، ثمّ الأقرب فالأقرب ، فإن كانا أخوين فأكبرهما ، وإن كانتا زوجتين أقرع بينهما .
أقلّ ما يجزئ في الدّفن:
9 -صرّح جمهور الفقهاء بأنّ أقلّ ما يجزئ في الدّفن حفرة تكتم رائحة الميّت ، وتحرسه عن السّباع ، لعسر نبش مثلها غالبًا ، وقدّر الأقلّ بنصف القامة ، والأكثر بالقامة ، ويندب عدم تعميقه أكثر من ذلك ، وصرّح المالكيّة بأنّه لا حدّ لأكثره وإن كان النّدب عدم عمقه . ويجوز الدّفن في الشّقّ واللّحد ، فاللّحد: أن يحفر حائط القبر مائلًا عن استوائه من أسفله قدر ما يوضع فيه الميّت من جهة القبلة . والشّقّ: أن يحفر وسطه كالنّهر ، ويسقّف .
فإن كانت الأرض صلبةً فاللّحد أفضل ، وإلاّ فالشّقّ ، وتفصيل ذلك في مصطلح: ( قبر ) .
تغطية القبر حين الدّفن:
10 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يستحبّ تغطية قبر المرأة حين الدّفن لأنّها عورة ، ولأنّه لا يؤمن أن يبدو منها شيء فيراه الحاضرون ، وبناء أمرها على السّتر ، والخنثى في ذلك كالأنثى احتياطًا .
واختلفوا في تغطية قبر الرّجل ، فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يكره تغطية قبر الرّجل إلاّ لعذرٍ من مطرٍ وغيره ، لما روي عن عليٍّ رضي الله عنه ، أنّه مرّ بقومٍ وقد دفنوا ميّتًا ، وقد بسطوا على قبره الثّوب ، فجذبه وقال: إنّما يصنع هذا بالنّساء ، مع ما فيه من اتّباع أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
ويرى الشّافعيّة في المذهب أنّه يستحبّ ذلك ، سواء كان رجلًا أو امرأةً ، والمرأة آكد .
لأنّه ربّما ينكشف عند الاضطجاع وحلّ الشّداد ، فيظهر ما يستحبّ إخفاؤه .
اتّخاذ التّابوت:
11 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يكره الدّفن في التّابوت إلاّ عند الحاجة كرخاوة الأرض ، وذلك ، لأنّه لم ينقل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضوان اللّه تعالى عليهم ، وفيه تشبّه بأهل الدّنيا ، والأرض أنشف لفضلاته . ولأنّ فيه إضاعة المال .
وفرّق الحنفيّة بين الرّجل والمرأة ، فقالوا: لا بأس باتّخاذ التّابوت لها مطلقًا ، لأنّه أقرب إلى السّتر ، والتّحرّز عن مسّها عند الوضع في القبر .
الدّفن ليلًا وفي الأوقات المكروهة:
12 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو المذهب لدى الحنابلة إلى أنّه لا يكره الدّفن ليلًا ، لأنّ أبا بكرٍ رضي الله تعالى عنه دفن ليلًا ، وعليّ دفن فاطمة رضي الله تعالى عنها ليلًا ، وممّن دفن ليلًا عثمان بن عفّان ، وعائشة ، وابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنهم . ورخّص فيه عقبة بن عامرٍ ، وسعيد بن المسيّب ، وعطاء ، والثّوريّ ، وإسحاق ، ولكنّه يستحبّ أن يكون نهارًا إن أمكن ، لأنّه أسهل على متّبعي الجنازة ، وأكثر للمصلّين عليها ، وأمكن لاتّباع السّنّة في دفنه .
وكرهه أحمد في روايةٍ ، والحسن ، لما ورد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خطب يومًا ، فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفّن في كفنٍ غير طائلٍ ، وقبر ليلًا ، فزجر النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيه أن يقبر الرّجل باللّيل إلاّ أن يضطرّ إنسان إلى ذلك » .