أمّا الدّفن في الأوقات المكروهة فصرّح المالكيّة والحنابلة بأنّه يكره الدّفن عند طلوع الشّمس ، وعند غروبها ، وعند قيامها ، لقول عقبة بن عامرٍ الجهنيّ: « ثلاث ساعاتٍ كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلّي فيهنّ ، أو أن نقبر فيهنّ موتانا: حين تطلع الشّمس بازغةً حتّى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظّهيرة ، وحين تضيّف الشّمس للغروب حتّى تغرب » .
ويرى الحنفيّة والشّافعيّة أنّه لا يكره الدّفن في الأوقات الّتي نهي عن الصّلاة فيها ، وإن كان الدّفن في غيرها أفضل .
الدّفن قبل الصّلاة عليه ومن غير غسلٍ وبلا كفنٍ:
13 -إن دفن الميّت من غير غسلٍ ، فذهب جمهور الفقهاء"المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة"
إلى أنّه ينبش ويغسّل ، إلاّ أن يخاف عليه أن يتفسّخ ، فيترك ، وبه قال أبو ثورٍ .
وقال الحنفيّة وهو قول لدى الشّافعيّة: إنّه لا ينبش ، لأنّ النّبش مثلة وقد نهي عنها . وتفصيل ذلك في ( نبش ) .
أمّا إن دفن قبل الصّلاة عليه ، فذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عن الحنابلة اختارها القاضي أنّه يصلّى على القبر ولا ينبش ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى على قبر المسكينة ، ولم ينبشها » .
ويرى المالكيّة ، وهو رواية عن أحمد أنّه ينبش ويصلّى عليه ، لأنّه دفن قبل واجبٍ فينبش ، كما لو دفن من غير غسلٍ ، وهذا إذا لم يتغيّر ، أمّا إنّ تغيّر فلا ينبش بحالٍ .
وإن دفن بغير كفنٍ ، فالأصحّ عند الشّافعيّة وهو وجه عند الحنابلة ، أنّه يترك اكتفاءً بستر القبر ، وحفظًا ، لحرمته ، ولأنّ القصد بالكفن السّتر وقد حصل .
ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة وهو وجه آخر عند الحنابلة ينبش ، ثمّ يكفّن ، ثمّ يدفن ، لأنّ التّكفين واجب فأشبه الغسل . وتفصيل ذلك في ( كفن ) .
دفن أكثر من واحدٍ في قبرٍ واحدٍ:
14 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّه لا يدفن أكثر من واحدٍ في قبرٍ واحدٍ إلاّ لضرورةٍ كضيق مكان ، أو تعذّر حافرٍ ، أو تربةٍ أخرى ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يدفن كلّ ميّتٍ في قبرٍ واحدٍ » . وعلى هذا فعل الصّحابة ومن بعدهم .
فإذا دفن جماعة في قبرٍ واحدٍ: قدّم الأفضل منهم إلى القبلة ، ثمّ الّذي يليه في الفضيلة على حسب تقديمهم إلى الإمامة في الصّلاة ، لما روى هشام بن عامرٍ قال: « شكونا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ فقلنا: يا رسول اللّه: الحفر علينا ، لكلّ إنسانٍ شديد . فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: احفروا وأعمقوا ، وأحسنوا ، وادفنوا الاثنين والثّلاثة في قبرٍ واحدٍ ، قالوا: فمن نقدّم يا رسول اللّه ؟ قال: قدّموا أكثرهم قرآنًا » .
ثمّ إن شاء سوّى بين رءوسهم ، إن شاء حفر قبرًا طويلًا ، وجعل رأس كلّ واحدٍ من الموتى عند رجل الآخر ، وبهذا صرّح أحمد .
ويجعل بين ميّتٍ وآخر حاجز من ترابٍ ويقدّم الأب على الابن ، إن كان أفضل منه ، لحرمة الأبوّة ، وكذا تقدّم الأمّ على البنت .
ولا يجمع بين النّساء والرّجال إلاّ عند تأكّد الضّرورة ، ويقدّم الرّجل وإن كان ابنًا .
فإن اجتمع رجل وامرأة وخنثى وصبيّ ، قدّم الرّجل ، ثمّ الصّبيّ ، ثمّ الخنثى ، ثمّ المرأة . ولذلك فيكره الدّفن في الفساقي ، وهي كبيتٍ معقودٍ بالبناء يسع لجماعةٍ قيامًا ، لمخالفتها السّنّة ، والكراهة فيها من وجوهٍ وهي:
عدم اللّحد ، ودفن الجماعة في قبرٍ واحدٍ بلا ضرورةٍ ، واختلاط الرّجال بالنّساء بلا حاجزٍ ، وتجصيصها والبناء عليها ، وخصوصًا إذا كان فيها ميّت لم يبل ، وما يفعله جهلة الحفّارين من نبش القبور الّتي لم تبل أربابها ، وإدخال أجانب عليهم ، فهو من المنكر الظّاهر ، وليس من الضّرورة المبيحة لدفن ميّتين فأكثر في قبرٍ واحدٍ .
ويرى بعض الفقهاء أنّه يكره ذلك حتّى إذا صار الميّت ترابًا ، لأنّ الحرمة باقية .
دفن أجزاء الميّت بعد دفنه:
15 -إذا وجدت أطراف ميّتٍ ، أو بعض بدنه لم يغسّل ، ولم يصلّ عليه عند الحنفيّة ، بل يدفن .
ويرى الشّافعيّة أنّه لو وجد عضو مسلمٍ علم موته يجب مواراته بخرقةٍ ودفنه ، ولو لم يعلم موت صاحب العضو لم يصلّ عليه ، لكن يندب دفنه ، ويجب في دفن الجزء ما يجب في دفن الجملة .
أمّا الحنابلة فقالوا: إن وجد جزء الميّت بعد دفنه غسّل ، وصلّي عليه ، ودفن إلى جانب القبر ، أو نبش بعض القبر ودفن فيه ، ولا حاجة إلى كشف الميّت ، لأنّ ضرر نبش الميّت وكشفه أعظم من الضّرر بتفرقة أجزائه .
دفن المسلم في مقابر المشركين وعكسه:
16 -اتّفق الفقهاء على أنّه يحرم دفن مسلمٍ في مقبرة الكفّار وعكسه إلاّ لضرورةٍ .
أمّا لو جعلت مقبرة الكفّار المندرسة مقبرةً للمسلمين بعد نقل عظامها إن كانت جاز ، كجعلها مسجدًا ، لعدم احترامهم . والدّفن في غير مقبرة الكفّار المندرسة أولى إن أمكن ، تباعدًا عن مواضع العذاب . ولا يجوز العكس ، بأن تجعل مقبرة المسلمين المندرسة مقبرةً للكفّار ، ولا نقل عظام المسلمين ، لتدفن في موضعٍ آخر ، لاحترامها .
أمّا المرتدّ فقد ذكر الإسنويّ نقلًا عن الماورديّ أنّه لا يدفن في مقابر المسلمين لخروجه بالرّدّة عنهم ، ولا في مقابر المشركين ، لما تقدّم له من حرمة الإسلام .
وأمّا من قتل حدًّا فيدفن في مقابر المسلمين ، وكذلك تارك الصّلاة .
دفن كافرةٍ حاملٍ من مسلمٍ:
17 -اختلف الفقهاء في دفن كافرةٍ حاملٍ من مسلمٍ على أقوالٍ:
فذهب الحنفيّة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ، والمذهب لدى الحنابلة إلى أنّ الأحوط دفنها على حدةٍ ، ويجعل ظهرها إلى القبلة ، لأنّ وجه الولد لظهرها .