فهرس الكتاب

الصفحة 922 من 2053

تشير المصادر التاريخية إلى أن بعض الأقوام القديمة قد عرفت الختان، وفي إنجيل برنابا (2) إشارة إلى أن آدم عليه السلام كان أول من اختتن وأنه فعله بعد توبته من أكل الشجرة ولعل ذريته تركوا سنته حتى أمر الله سبحانه نبيه إبراهيم عليه السلام بإحيائها.

وقد وجدت ألواح طينية ترجع إلى الحضارتين البابلية والسومرية [3500 ق.م] ذكرت تفاصيل عن عملية الختان (3) ، كما وجدت لوحة في قبر عنخ آمون [ 2200ق.م] تصف عملية الختان عند الفراعنة وتشير إلى أنهم طبقوا مرهمًا مخدرًا على الحشفة قبل الشروع في إجرائها، وأنهم كانوا يجرون الختان لغرض صحي .

وأهتم اليهود بالختان (4) واعتبر التلمود من لم يختتن من الوثنيين الأشرار فقد جاء في سفر التثنية:"أختتنوا للرب وانزعوا غرل قلوبكم يا رجال يهوذا وسكان أورشليم".

أما في النصرانية فالأصل فيها الختان، وتشير نصوص من إنجيل برنابا إلى أن المسيح قد أختتن وأنه أمر أبتاعه بالختان، لكن النصارى لا يختتنون (5) .

أما العرب في جاهليتهم فقد كانوا يختتنون اتباعًا لسنة أبيهم إبراهيم .

وذكر القرطبي (6) إجماع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أول من أختتن.

فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كان إبراهيم أول من اختتن ، وأول من رأى الشيب وأول من قص شاربه وأول من استحد" [1] .

وفد فصل ابن القيم (7) في ختان النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقوال ، ويرى أنها كلها تعتمد على أحاديث ضعيفة، أو أنه ليس لها إسناد قائم أو أن في إسنادها عدة مجاهيل مع التناقض الكبير في متونها.

فالقول الأول وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونًا، فهو علاوة على ضعف إسناده، فهو يتناقض مع حديث صحيح اعتبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الختان من الفطرة، ذلك أن الابتلاء مع الصبر مما يضاعف أجر المبتلى وثوابه، والأليق بحال النبي صلى الله عليه وسلم ألا يُسلب هذه الفضيلة .

والقول الثاني أن الملك ختنه حين شق صدره لا يصح له إسناد مطلقًا، والأرجح القول الثالث وهو أن جده عبد المطلب ختنه على عادة العرب وسماه محمدًا وأقام له وليمة يوم سابعة .

الختان في السنة النبوية المطهرة:

دعا الإسلام إلى الختان دعوة صريحة و جعله على رأس خصال الفطرة البشرية، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:"الفطرة خمس: الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب"البخاري رقم/5439/.

وجاءت دعوة الإسلام إلى الختان متوافقة مع الحنيفية ـ ملة إبراهيم عليه السلام ـ فكان الختان كما أورد القرطبي عن عبد الله بن عباس ـ من الكلمات التي ابتلى بها إبراهيم ربه بهن فأتمهن وأكملهن فجعله إمامًا للناس .

كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤكد امتداحه لفعل إبراهيم هذا، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"اختتن إبراهيم بعدما مرت عليه ثمانون سنة، اختتن بالقدوم"رواه البخاري ومسلم والقدوم آلة صغيرة، وقيل هو موضع بالشام.

وعن موسى بن علي اللخمي عن أبيه قال:"أمر الله إبراهيم فاختتن بقدوم فاشتد عليه الوجع فأوحى الله عز وجل إليه، عجلت قبل أن نأمرك بالآلة، قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك"أخرجه البيهقي بسند حسن.

وعن شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الختان سنة الرجال، ومكرمة للنساء"أخرجه أحمد في مسنده والبيهقي وقال حديث ضعيف منقطع.

وعن كثيم بن كليب عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد أسلمت فقال النبي صلى الله عليه وسلم"ألق عنك شعر الكفر واختتن"أخرجه أحمد وأبو داود، وقال السيوطي بضعفه وفي أسناده مجهولان (نيل الأوطار) ، وقد أورده ابن حجر في التلخيص ولم يضعفه ولكن برواية:"من أسلم فليختتن".

الحكم الفقهي في الختان:

يقول ابن القيم (7) : اختلف الفقهاء في حكم الختان، فقال الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد هو واجب، وشدد مالك حتى قال: من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته. ونقل كثير من الفقهاء عن مالك أنه سنة حتى قال القاضي عياض: الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة، السنة عندهم يأثم بتركها فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض والندب.

وذهب البصري وأبو حنيفة: لا يجب بل هو سنة، ونقل عنه قوله: قد أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس: الأسود والأبيض فما فتش أحدًا.

وخلاصة القول: وذهب الشافعية وبعض المالكية بوجوب الختان للرجال والنساء، و ذهب مالك وأصحابه على أنه سنة للرجال و مستحب للنساء، وذهب أحمد إلى أنه واجب في حق الرجال و سنة للنساء وذهب أبو حنيفة إلى أنه سنة، لكن يأثم تاركه... ويتابع ابن القيم:"ولا يخرج الختان عن كونه واجبًا أو سنة مؤكدة، لكنه في حق الرجال آكد لغلظ القلفة ووقوعها على الإحليل فيجتمع تحتها ما بقي من البول، ولا تتم الطهارة ـ المطلوبة في كل وقت والواجبة في الصلاة ـ إلا بإزالتها ."

ويقول النووي (8) :"ويجب الختان لقوله تعالى:" (أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا ) . ولأنه لو لم يكن واجبًا لما كشفت له العورة، لأنه كشف العورة محرم، فلما كشفت له العورة دل على وجوبه"."

ويعدد ابن القيم المواضع التي يسقط فيها وجوب الختان: منها"أن يولد الرجل ولا قلفة له، وضعف المولود عن احتماله بحيث يخاف عليه من التلف، وأن يسلم الرجل كبيرًا ويخشى على نفسه منه، والموت فلا ينبغي ختان الميت باتفاق الأمة ولأن النبي صلى الله عليه قد أخبر أن الميت يبعث يوم القيامة بغرلته غير مختون فليس ثمة فائدة من ختنه عند الموت".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت