وذهب المالكيّة إلى أنّ التّوسّط فيه مندوب فلا يسرّه الملبّي حتّى لا يسمعه من يليه ، ولا يبالغ في رفعه حتّى يعقره فيكون بين الرّفع والخفض ولا يبالغ في أيّهما ، وفي الفواكه الدّواني: هذا في غير المسجد لأنّه لا يجوز رفع الصّوت فيه إلا المسجد الحرام ومسجد منى لأنّهما بنيا للحجّ ، وقيل: للأمن فيهما من الرّياء .
هذا في حقّ الرّجال . أمّا النّساء فإنّه لا خلاف بين الفقهاء في كراهة رفع أصواتهنّ بالتّلبية إلا بمقدار ما تسمع المرأة نفسها أو رفيقتها ، فقد روي عن سليمان بن يسار قال: السّنّة عندهم أنّ المرأة لا ترفع صوتها بالإهلال وإنّما كره لها رفع الصّوت مخافة الفتنة بها ومثلها الخنثى المشكل في ذلك احتياطًا .
الإكثار من التّلبية:
6 -استحبّ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة للمحرم أن يكثر من التّلبية لأنّها شعار النّسك فيلبّي عند اجتماع الرّفاق ، أو متى علا شرفا أو هبط واديا ، وفي أدبار الصّلوات ، وإقبال اللّيل والنّهار . لما روى جابر قال: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يلبّي إذا رأى ركبا ، أو صعد أكمة ، أو هبط واديا ، وفي أدبار المكتوبة وآخر اللّيل » ولأنّ في هذه المواضع ترفع الأصوات ويكثر الضّجيج .
وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « أفضل الحجّ العجّ والثّجّ » .
وذهب المالكيّة إلى أنّ التّوسّط في ذلك مندوب ، فلا يكثر المحرم من التّلبية حتّى يملّها ويلحقه الضّرر ، ولا يقلّلها حتّى يفوت المقصود منها وهو الشّعيرة .
متى تبدأ التّلبية:
7 -من الأمور المستحبّة لمريد الإحرام بحجّ أو عمرة أو بهما معا متى بلغ ميقاته أن يصلّي ركعتين بنيّة الإحرام في غير وقت كراهة ، وتجزئ المكتوبة ، فإن كان مفردا بالحجّ قال بلسانه المطابق لجنانه: اللّهمّ إنّى أريد الحجّ فيسّره لي وتقبّله منّي ، كما يفعل ذلك أيضا المعتمر والقارن ، ويشير إلى نوع نسكه ثمّ يلبّي دبر صلاته . وبهذه التّلبية يكون محرما وتسري عليه أحكام الإحرام . هذا ما عليه فقهاء المذاهب الأربعة .
وله الإحرام بها إذا استوت به راحلته ، وإذا بدأ السّير سواء لأنّ الجميع قد روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم من طرق صحيحة .
قال الأثرم: سألت أبا عبد اللّه: أيّهما أحبّ إليك . الإحرام في دبر الصّلاة ، أو إذا استوت به راحلته ؟ فقال: كلّ ذلك قد جاء في دبر الصّلاة إذا علا البيداء .
متى تنتهي التّلبية:
8 -تنتهي التّلبية بالنّسبة للحاجّ ابتداء من رمي جمرة العقبة يوم النّحر عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة فيقطعها مع أوّل حصاة لأخذه في أسباب التّحلّل ، ويكبّر بدل التّلبية مع كلّ حصاة . فقد روى جابر « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا أتى إلى منى لم يعرّج إلى شيء حتّى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات وقطع التّلبية عند أوّل حصاة رماها ، ثمّ كبّر مع كلّ حصاة ، ثمّ نحر ، ثمّ حلق رأسه ، ثمّ أتى مكّة فطاف بالبيت » .
وروى الفضل بن العبّاس « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبّي حتّى رمى جمرة العقبة » وكان الفضل رديفه يومئذ وهو أعلم بحاله من غيره .
ولأنّ التّلبية للإحرام فإذا رمى فقد شرع في التّحلّل فلا معنى للتّلبية .
وللمالكيّة قولان: أحدهما: يستمرّ في التّلبية حتّى يبلغ مكّة فيقطع التّلبية حتّى يطوف ويسعى ثمّ يعاودها حتّى تزول الشّمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها .
والثّاني: يستمرّ في التّلبية حتّى الشّروع في الطّواف ، والأوّل في رسالة ابن أبي زيد . وشهره ابن بشير ، والثّاني في المدوّنة في قول يقطع التّلبية حين يبتدئ الطّواف .
أمّا المعتمر فيقطع التّلبية متى شرع في الطّواف واستلم الحجر عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . لما روى ابن عبّاس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « يلبّي المعتمر حتّى يستلم الحجر » وأمّا المالكيّة فالمعتبر عندهم أنّ معتمر الميقات من أهل الآفاق وفائت الحجّ أي: المعتمر لفوات الحجّ يلبّي كلّ منهما للحرم لا إلى رؤية البيوت ، ومعتمر الجعرانة والتّنعيم يلبّي للبيوت أي: إلى دخول بيوت مكّة لقرب المسافة استدلالا بما رواه نافع عن ابن عمر من فعله في المناسك قال: وكان يترك التّلبية في العمرة إذا دخل الحرم ينظر في تفصيل ذلك: حجّ - إحرام .