20 -أمّا العبادات البدنيّة كالصّلاة ، فلا خلاف بين العلماء في عدم وجوبها عليه إلاّ أنّه يؤمر بأدائها في سنّ السّابعة ، ويضرب على تركها في سنّ العاشرة ، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه: « مروا صبيانكم بالصّلاة لسبع سنين ، واضربوهم عليها لعشر سنين ، وفرّقوا بينهم في المضاجع » .
وأمّا العقائد كالإيمان ، فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه يصحّ من الصّبيّ ، فيعتبر إيمانه ، لأنّه خير محض ، وخالف في ذلك الشّافعيّة فقالوا: إنّ إسلامه لا يصحّ حتّى يبلغ ، لحديث: « رفع القلم عن ثلاثٍ ومنها عن الصّبيّ حتّى يبلغ ... »
وأمّا ردّته ، فقد ذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى عدم صحّة ردّته ، لأنّها ضرر محض .
وذهب أبو حنيفة ومحمّد والمالكيّة إلى الحكم بصحّة ردّته ، وتجري عليه أحكام المرتدّين ما عدا القتل . ونقل في التّتارخانيّة والمنتقى رجوع أبي حنيفة إلى قول أبي يوسف .
وأمّا حقوق اللّه سبحانه وتعالى الماليّة كالزّكاة ، فإنّها تجب في ماله عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ولا تجب في ماله عند الحنفيّة . وأمّا العقوبات المتعلّقة بحقوق اللّه سبحانه وتعالى كحدّ السّرقة وغيره ، فإنّها لا تقام على الصّبيّ ، وهذا محلّ اتّفاقٍ عند الفقهاء .
ب - حقوق العباد:
21 -أمّا الماليّة منها كضمان المتلفات وأجرة الأجير ونفقة الزّوجة والأقارب ونحو ذلك فإنّها تجب في ماله ، لأنّ المقصود منها هو المال ، وأداؤه يحتمل النّيابة ، فيصحّ للصّبيّ المميّز أداؤه ، فإن لم يؤدّه أدّاه وليّه .
وأمّا ما كان منها عقوبة القصاص ، فإنّه لا يجب عليه عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، لأنّ فعل الصّبيّ لا يوصف بالتّقصير ، فلا يصلح سببًا للعقوبة لقصور معنى الجناية في فعله ، ولكن تجب في فعله الدّية ، لأنّها وجبت لعصمة المحلّ ، والصّبا لا ينفي عصمة المحلّ ، ولأنّ المقصود من وجوبها المال ، وأداؤه قابل للنّيابة ، ووجوب الدّية في ماله عند الحنفيّة ، وعلى عاقلته عند المالكيّة والحنابلة .
وخالف الشّافعيّة في ذلك على الأصحّ عندهم ، حيث قالوا: إنّ عمد الصّبيّ في الجنايات عمد ، فتغلظ عليه الدّية ، ويحرم إرث من قتله .
22 -أمّا تصرّفاته الماليّة ، ففيها تفصيل على النّحو الآتي:
-1 - تصرّفات نافعة له نفعًا محضًا ، وهي الّتي يترتّب عليها دخول شيءٍ في ملكه من غير مقابلٍ ، مثل قبول الهبة والصّدقة والوصيّة والوقف ، وهذه تصحّ منه ، دون توقّفٍ على إجازة الوليّ أو الوصيّ ، لأنّها خير على كلّ حالٍ .
-2 - تصرّفات ضارّة بالصّغير ضررًا محضًا ، وهي الّتي يترتّب عليها خروج شيءٍ من ملكه من غير مقابلٍ ، كالهبة والصّدقة والوقف وسائر التّبرّعات والطّلاق والكفالة بالدّين ، وهذه لا تصحّ منه ، بل تقع باطلةً ، ولا تنعقد ، حتّى ولو أجازها الوليّ أو الوصيّ ، لأنّهما لا يملكان مباشرتها في حقّ الصّغير فلا يملكان إجازتها .
-3 - تصرّفات دائرة بين النّفع والضّرر بحسب أصل وضعها ، كالبيع والإجارة وسائر المعاوضات الماليّة ، وهذه يختلف الفقهاء فيها:
فعند الحنفيّة يصحّ صدورها منه ، باعتبار ما له من أصل الأهليّة ، ولاحتمال أنّ فيها نفعًا له ، إلاّ أنّها تكون موقوفةً على إجازة الوليّ أو الوصيّ لنقص أهليّته ، فإذا أجازها نفذت ، وإن لم يجزها بطلت .
وعند المالكيّة تقع صحيحةً لكنّها لا تكون لازمةً ، ويتوقّف لزومها على إجازة الوليّ أو الوصيّ . وعند الشّافعيّة والحنابلة لا يصحّ صدورها من الصّبيّ ، فإذا وقعت كانت باطلةً لا يترتّب عليها أيّ أثرٍ .
المرحلة الرّابعة - البلوغ:
23 -البلوغ عند الفقهاء: قوّة تحدث للشّخص ، تنقله من حال الطّفولة إلى حال الرّجولة . وهو يحصل بظهور علامةٍ من علاماته الطّبيعيّة كالاحتلام ، وكالحبل والحيض في الأنثى ، فإن لم يوجد شيء من هذه العلامات كان البلوغ بالسّنّ .
وقد اختلف الفقهاء في تقديره ، فقدّره أبو حنيفة بثماني عشرة سنةً للفتى ، وسبع عشرة سنةً للفتاة ، وقدّره الصّاحبان والشّافعيّ وأحمد بخمس عشرة سنةً ، والمشهور عند المالكيّة تقديره بثماني عشرة سنةً لكلٍّ من الذّكر والأنثى .
وفي هذه المرحلة ، وهي مرحلة البلوغ ، يكتمل فيها للإنسان نموّه البدنيّ والعقليّ ، فتثبت له أهليّة الأداء الكاملة ، فيصير أهلًا لأداء الواجبات وتحمّل التّبعات ، ويطالب بأداء كافّة الحقوق الماليّة ، وغير الماليّة ، سواء أكانت من حقوق اللّه أم من حقوق العباد .
وهذا كلّه إذا اكتمل نموّه العقليّ مع اكتمال نموّه البدنيّ ، أمّا إذا وصل إلى سنّ البلوغ ولم يكتمل نموّه العقليّ ، بأن بلغ معتوهًا أو سفيهًا ، فإنّه تجري عليه أحكام الصّبيّ المميّز ، ويستمرّ ثبوت الولاية عليه ، خلافًا لأبي حنيفة في السّفيه .
المرحلة الخامسة - الرشد:
24-الرشد في اللغة: الصلاح وإصابة الصواب .
والرشد عند الفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة: حسن التصرف في المال ، والقدرة على استثماره واستغلاله استغلالًا حسنًا . وعند الشافعية: صلاح الدين والصلاح في المال .
وهذا الرشد قد يأتي مع البلوغ ، وقد يتاخر عنه قليلًا أو كثيرًا ، تبعًا لتربية الشخص واستعداده وتعقد الحياة الاجتماعية وبساطتها ، فإذا بلغ الشخص رشيدًا كملت أهليته ، و ارتفعت الولاية عنه وسلمت إليه أمواله باتفاق الفقهاء ، لقوله الله تعالى: { وابْتَلُوا اليتامى حتى إذا بَلَغُوا النكاحَ ، فإنْ آنَسْتُم منهم رُشْدًا فادْفَعُوا إليهم أموالَهم } .