فهرس الكتاب

الصفحة 538 من 2053

وكرّر أحمد بن محمّد بن الجزريّ هذا التّقييد بالقدرة أكثر من مرّة . ويدلّ لذلك الحديث الّذي رواه الشّيخان عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « الماهرُ بالقرآنِ مع السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ ، والّذي يقرأُ القرآنَ ويُتَعْتِعُ فيه ، وهو عليه شاقٌّ له أجرانِ » وقد اعتبر ابن غازيّ في شرحه للجزريّة من الواجب الصّناعيّ: كلّ ما كان من مسائل الخلاف من الوجوه المختارة لكلّ قارئ من القرّاء المشهورين ، حيث يرى بعضهم التّفخيم ويرى غيره التّرقيق في موطن واحد ، فهذا لا يأثم تاركه ، ولا يتّصف بالفسق . وكذلك ما كان من جهة الوقف ، فإنّه لا يجب على القارئ الوقف على محلّ معيّن بحيث لو تركه يأثم ، ولا يحرم الوقف على كلمة بعينها إلاّ إذا كانت موهمةً وقصدها ، فإن اعتقد المعنى الموهم للكفر كفر - والعياذ باللّه - كأن وقف على قوله تعالى: { إنّ اللّه لا يستحي } دون قوله: { أن يضرب مثلًا ما } . أو على قوله: { وما من إله } دون { إلاّ اللّه } . أمّا قول علماء القراءة: الوقف على هذا واجب ، أو لازم ، أو حرام ، أو لا يحلّ ، أو نحو ذلك من الألفاظ الدّالّة على الوجوب أو التّحريم فلا يراد منه ما هو مقرّر عند الفقهاء ، ممّا يثاب على فعله ، ويعاقب على تركه ، أو عكسه ، بل المراد: أنّه ينبغي للقارئ أن يقف عليه لمعنًى يستفاد من الوقف عليه ، أو لئلاّ يتوهّم من الوصل تغيير المعنى المقصود ، أو لا ينبغي الوقف عليه ولا الابتداء بما بعده ، لما يتوهّم من تغيير المعنى أو رداءة التّلفّظ ونحو ذلك . وقولهم: لا يوقف على كذا ، معناه: أنّه لا يحسن الوقف عليه صناعةً ، وليس معناه أنّ الوقف عليه حرام أو مكروه ، بل خلاف الأولى ، إلاّ إن تعمّد قاصدًا المعنى الموهم . ثمّ تطرّق ابن غازيّ إلى حكم تعلّم التّجويد بالنّسبة لمريد القراءة ، فقرّر عدم وجوب ذلك على من أخذ القراءة على شيخ متقن ، ولم يتطرّق اللّحن إليه ، من غير معرفة علميّة بمسائله ، وكذلك عدم وجوب تعلّمه على العربيّ الفصيح الّذي لا يتطرّق اللّحن إليه ، بأن كان طبعه على القراءة بالتّجويد ، فإنّ تعلّم هذين للأحكام أمر صناعيّ . أمّا من أخلّ بشيء من الأحكام المجمع عليها ، أو لم يكن عربيًّا فصيحًا ، فلا بدّ في حقّه من تعلّم الأحكام والأخذ بمقتضاها من أفواه المشايخ .

قال الإمام الجَزَريّ في النّشر: ولا شكّ أنّ الأمّة كما هم متعبّدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده ، كذلك هم متعبّدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصّفة المتلقّاة من أئمّة القراءة والمتّصلة بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم .

ما يتناوله التّجويد من أمور:

5 -التّجويد علم من علوم القرآن ، ولكنّه يتميّز عن غيره من تلك العلوم المتّصلة بالقرآن بأنّه يحتاج إليه الخاصّة والعامّة ، لحاجتهم إلى تلاوة كتاب اللّه تعالى كما أنزل ، حسبما نقل عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وهو إمّا أن يحصل بالتّعلّم لمسائله ، أو يؤخذ بالتّلقّي من أفواه العلماء ، ولا بدّ في الحالين من التّمرين والتّكرار .

قال أبو عمرو الدّانيّ: ليس بين التّجويد وتركه إلاّ رياضة لمن تدبّره بفكه . وقال أحمد بن الجزريّ: لا أعلم سببًا لبلوغ نهاية الإتقان والتّجويد ووصول غاية التّصحيح والتّسديد مثل رياضة الألسن والتّكرار على اللّفظ المتلقّى من فم المحسن .

ويشتمل علم التّجويد على أبحاث كثيرة أهمّها:

أ - مخارج الحروف ، للتّوصّل إلى إخراج كلّ حرف من مخرجه الصّحيح .

ب - صفات الحروف ، من جهر وهمس مع معرفة الحروف المشتركة في الصّفة .

ج - التّفخيم والتّرقيق وما يتّصل بذلك من أحكام لبعض الحروف كالرّاء واللّام .

د - أحوال النّون السّاكنة والتّنوين والميم السّاكنة .

هـ - المدّ والقصر وأنواع المدّ .

و - الوقف والابتداء والقطع وما يتّصل بذلك من أحكام .

ز - أحكام الابتداء بالقراءة ، من تعوّذ وبسملة وأحكام ختم القرآن وآداب التّلاوة .

وموطن تفصيل ذلك هو كتب علم التّجويد ، وكذلك كتب القراءات في آخر أبحاثها كما في منظومة حرز الأماني للشّاطبيّ ، أو في أوائلها كما في"الطّيّبة"لمحمّد بن الجزريّ ، وفي بعض المطوّلات من كتب علوم القرآن كالبرهان للزّركشيّ ، والإتقان للسّيوطيّ .

ما يخلّ بالتّجويد ، وحكمه:

6 -يقع الإخلال بالتّجويد إمّا في أداء الحروف ، وإمّا فيما يلابس القراءة من التّغييرات الصّوتيّة المخالفة لكيفيّة النّطق المأثورة .

فالنّوع الأوّل يسمّى ( اللّحن ) أي الخطأ والميل عن الصّواب ، وهو نوعان: جليّ وخفيّ . واللّحن الجليّ: خطأ يطرأ على الألفاظ فيخلّ بعرف القراءة ، سواء أخلّ بالمعنى أم لم يخلّ . وسمّي جليًّا لأنّه يخلّ إخلالًا ظاهرًا يشترك في معرفته علماء القرآن وغيرهم ، وهو يكون في مبنى الكلمة كتبديل حرف بآخر ، أو في حركتها بتبديلها إلى حركة أخرى أو سكون ، سواء أتغيّر المعنى بالخطأ فيها أم لم يتغيّر . وهذا النّوع يحرم على من هو قادر على تلافيه ، سواء أوهم خلل المعنى أو اقتضى تغيير الإعراب .

وأمّا اللّحن الخفيّ: فهو خطأ يطرأ على اللّفظ ، فيخلّ بعرف القراءة ولا يخلّ بالمعنى . وسمّي خفيًّا لأنّه يختصّ بمعرفته علماء القرآن وأهل التّجويد . وهو يكون في صفات الحروف ، وهذا اللّحن الخفيّ قسمان:

أحدهما: لا يعرفه إلاّ علماء القراءة كترك الإخفاء ، وهو ليس بفرض عين يترتّب عليه عقاب كما سبق ، بل فيه خوف العتاب والتّهديد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت