فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 2053

وقال الشّافعيّة: الأعمى والبصير سواء لتعارض فضليهما ، لأنّ الأعمى لا ينظر ما يشغله فهو أخشع ، والبصير ينظر الخبث فهو أقدر على تجنّبه ، وهذا إذا كان الأعمى لا يتبذّل ، أمّا إذا تبذّل أي ترك الصّيانة عن المستقذرات ، كأن لبس ثياب البذلة ، كان البصير أولى منه . أمّا الأخرس فلا يجوز الاقتداء به ، لأنّه يترك أركان الصّلاة من التّحريمة والقراءة . حتّى إنّ الشّافعيّة والحنابلة صرّحوا بعدم جواز الاقتداء بالأخرس ، ولو كان المقتدي مثله ، وصرّح الحنفيّة أنّ الأخرس أسوأ حالًا من الأمّيّ ، لقدرة الأمّيّ على التّحريمة دون الأخرس ، فلا يجوز اقتداء الأمّيّ بالأخرس ، ويجوز العكس .

الاقتداء بمن يخالفه في الفروع:

43 -لا خلاف بين الفقهاء في صحّة الاقتداء بإمامٍ يخالف المقتدي في الفروع ، إذا كان الإمام يتحامى مواضع الخلاف ، بأن يتوضّأ من الخارج النّجس من غير السّبيلين كالفصد مثلًا ، ولا ينحرف عن القبلة انحرافًا فاحشًا ، ويراعي الدّلك والموالاة في الوضوء ، والطّمأنينة في الصّلاة .

وكذلك يصحّ الاقتداء بإمامٍ مخالفٍ في المذهب إذا كان لا يعلم منه الإتيان بما يفسد الصّلاة عند المقتدي بيقينٍ ، لأنّ الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم من المسلمين لم يزل بعضهم يقتدي ببعضٍ مع اختلافهم في الفروع ، ولما فيه من وحدة الصّفّ وقوّة المسلمين .

أمّا إذا علم المقتدي أنّ الإمام أتى بمانعٍ لصحّة الصّلاة في مذهب المأموم ، وليس مانعًا في مذهبه ، كترك الدّلك والموالاة في الوضوء ، أو ترك شرطًا في الصّلاة عند المأموم ، فقد صرّح المالكيّة والحنابلة - وهو رواية عند الشّافعيّة - بصحّة الاقتداء ، لأنّ المعتبر في شروط الصّلاة مذهب الإمام لا المأموم ، ما لم يكن المتروك ركنًا داخلًا في الصّلاة عند المالكيّة ، كترك الرّفع من الرّكوع . وفي الأصحّ عند الشّافعيّة لا يصحّ الاقتداء اعتبارًا بنيّة المقتدي ، لأنّه يعتقد فساد صلاة إمامه ، فلا يمكن البناء عليه .

وقال الحنفيّة: إن تيقّن المقتدي ترك الإمام مراعاة الفروض عند المقتدي لم يصحّ الاقتداء ، وإن علم تركه للواجبات فقط يكره ، أمّا إن علم منه ترك السّنن فينبغي أن يقتدي به ، لأنّ الجماعة واجبة ، فتقدّم على ترك كراهة التّنزيه ، وهذا بناء على أنّ العبرة لرأي المقتدي - وهو الأصحّ - وقيل: لرأي الإمام ، وعليه جماعة . قال في النّهاية: وهو الأقيس ، وعليه فيصحّ الاقتداء ، وإن كان الإمام لا يحتاط .

الاقتداء في غير الصّلاة

44 -الاقتداء في غير الصّلاة - بمعنى التّأسّي والاتّباع - يختلف حكمه باختلاف المقتدى به ، فالاقتداء بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم في أمور الدّين وما يتعلّق بالشّريعة واجب أو مندوب ( بحسب حكم ذلك الفعل ) ، والاقتداء بأفعاله صلى الله عليه وسلم الجبلّيّة حكمه الإباحة ، والاقتداء بالمجتهد فيما اجتهد فيه من المسائل الفقهيّة مطلوب لمن ليس له أهليّة الاجتهاد عند الأصوليّين .

وتفصيل هذه المسائل في الملحق الأصوليّ ، وانظر مصطلحي ( اتّباع ، وتأسّي ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت