الأوّل: أنّ حالة التّبيّن يمكن أن يطّلع العباد فيها على الحكم . وفي الاستناد لا يمكن . ففي المثال السّابق للتّبيّن وهو قوله: إن كان زيدٌ في الدّار فأنت طالقٌ ثمّ علم كونه في الدّار بعد مدّةٍ ، فإنّ العلم بكونه في الدّار ممّا يدخل في طوق العباد ، بخلاف العلم بإجازة الوليّ لبيع الصّبيّ ، فإنّه لا يمكن العلم بإجازته قبل أن يجيز .
الثّاني: أنّ حالة التّبيّن لا يشترط فيها قيام المحلّ عند حصول تبيّن الحكم ، ولا استمرار وجوده إلى حين التّبيّن . فلو قال لزوجته: أنت طالقٌ إن كان زيدٌ في الدّار ، فحاضت ثلاث حيضٍ ثمّ طلّقها ثلاثًا ، ثمّ ظهر أنّ زيدًا كان في الدّار في ذلك الوقت ، لا تقع الثّلاث ، لأنّه تبيّن وقوع الأوّل ، وأنّ إيقاع الثّلاث كان بعد انقضاء العدّة . أمّا في حالة الاستناد فلا بدّ من قيام المحلّ حال ثبوت الحكم ، وعدم انقطاع وجوده من وقت ثبوت الحكم ، عودًا إلى الوقت الّذي استند إليه ، كما في الزّكاة تجب بتمام الحول ، ويستند وجوبها إلى وقت وجود النّصاب ، فلو كان عند تمّام الحول مفقودًا ، أو انقطع أثناءه لم يثبت الوجوب في آخر الحول .
الاستناد من وجهٍ دون وجهٍ:
13 -إذا استند الملك فإنّه في الفترة ما بين التّصرّف إلى حصول الإجازة وما يقوم معها - كضمان المضمونات - ملكٌ ناقصٌ ، وليس كغيره من الملك التّامّ .
ويتفرّع على هذه المسألة فرعان:
الفرع الأوّل: لو غصب عينًا فزادت عنده زيادةً متّصلةً كالسّمن ، أو منفصلةً كالولد ، فإذا ضمن الغاصب المغصوب فيما بعد ، ملكه ملكًا مستندًا إلى وقت الغصب . أمّا الزّيادة المتّصلة كسمن الدّابّة فلا يضمنها ، لأنّها تكون قد حدثت على ملكه . وأمّا الزّيادة المنفصلة الّتي حصلت بعد الغصب وقبل الضّمان ، لو باعها أو استهلكها ، فإنّه يضمنها ، لأنّها في الأصل غير مضمونة عليه ، إذ قد حدثت عنده أمانةً في يده فلا يضمنها إلاّ بالتّعدّي أو التّفريط ، وببيعها أو استهلاكها يكون متعدّيًا ، فكان غاصبًا لها فيضمنها على تفصيلٍ موطنه الغصب . فظهر الاستناد من جهة الزّوائد المتّصلة ، واقتصر الملك على الحال من جهة الزّوائد المنفصلة . قال الكاسانيّ: أثبتنا الملك بطريق الاستناد ، فالمستند يظهر من وجهٍ ويقتصر على الحال من وجهٍ ، فيعمل بشبه الظّهور في الزّوائد المتّصلة ، وبشبه الاقتصار في المنفصلة ، ليكون عملًا بالشّبهين بقدر الإمكان .
الفرع الثّاني: لو استغلّ الغاصب المغصوب ، كما لو آجر الدّابّة ، فإنّه يتصدّق بالغلّة على قول أبي حنيفة ومحمّدٍ ، ولا يلزمه أن يتصدّق بالغلّة على قول أبي يوسف ، لأنّه حصل في ملكه حين أدّى ضمانه مستندًا إلى حين الغصب . وقال البابرتيّ: وإنّما قال أبو حنيفة بالتّصدّق بالغلّة لأنّها حصلت بسببٍ خبيثٍ وهو التّصرّف في ملك الغير ، وهو وإن دخل في ملكه من حين الغصب ، إلاّ أنّ الملك المستند ناقصٌ لكونه ثابتًا فيه من وجهٍ دون وجهٍ ، ولهذا يظهر في حقّ المغصوب القائم دون الفائت ، فلا ينعدم فيه الخبث .
ما نشأ عن اعتبار الإجازة مستندةً في البيع الموقوف:
14 -نشأ عن نظريّة استناد إجازة التّصرّفات الموقوفة إلى وقت الانعقاد إن اشترطوا لصحّة الإجازة قيام المجيز والمحلّ عند العقد ، بالإضافة إلى قيام العاقدين . ولذا يقول الحصكفيّ: كلّ تصرّفٍ صدر من الفضوليّ وله مجيزٌ - أي من يقدر على إمضائه حال وقوعه - انعقد موقوفًا ، وما لا مجيز له لا ينعقد أصلًا . فلو أنّ صبيًّا باع عينًا ثمّ بلغ قبل إجازة وليّه فأجازه بنفسه جاز ، لأنّ له وليًّا يجيزه حالة العقد ، بخلاف ما لو طلّق مثلًا ثمّ بلغ فأجازه بنفسه ، لأنّه وقت قيام التّصرّف لا مجيز له - أي لأنّ وليّه لا يملك إجازة الطّلاق - فيبطل ، إلاّ أن يوقع الطّلاق حينئذٍ ، كأن يقول بعد البلوغ: أوقعت ذلك الطّلاق .
ما يدخله الاستناد:
15 -يدخل الاستناد في تصرّفات شرعيّةٍ كثيرةٍ: منها في العبادة كما ذكر ابن نجيمٍ في الأشباه: أنّ الزّكاة تجب بتمام الحول مستندًا إلى أوّل وجود النّصاب .
وكطهارة المستحاضة تنتقض عند خروج الوقت مستندًا إلى وقت الحدث ، لا إلى خروج الوقت ، وكطهارة المتيمّم ، تنتقض عند رؤية الماء مستندًا إلى وقت الحدث لا إلى رؤية الماء ، فلو لبست المستحاضة الخفّ مع السّيلان أو بعده لم تمسح عليه ، ولو لبس المتيمّم الخفّ بعد تيمّمه لا يجوز له المسح عليه . ووضّح ذلك الكرلانيّ من الحنفيّة بالنّسبة للمستحاضة بأنّ الثّابت بالاستناد ثابتٌ من وجهٍ دون وجهٍ ، لأنّه بين الظّهور والاقتصار ، لأنّ انتقاض الوضوء حكم الحدث ، والحدث وجد في تلك الحالة ، فهذا يقتضي صيرورتها محدثةً معلّقةً بخروج الوقت ، وخروج الوقت وجد الآن ، فهذا يقتضي صيرورتها محدثةً في الحال ، فجعلناه ظهورًا من وجهٍ اقتصارًا من وجهٍ ، ولو كان ظهورًا من كلّ وجهٍ لا يجوز المسح ، ولو كان اقتصارًا من كلّ وجهٍ لجاز المسح ، فقلنا لا يجوز المسح أخذًا بالاحتياط .
16 -ويكون الاستناد أيضًا في البيوع الموقوف نفاذها على الإجازة كما تقدّم . ومن البيوع الموقوفة بيع المكره والمرتدّ ، وما صدر من مالكٍ غير أهلٍ لتولّي طرفي العقد ، كالصّبيّ المميّز والسّفيه المحجور عليه ، وبيع المحجور عليه لحقّ الدّائنين ، وما صدر ممّن ليس له ولايةٌ شرعيّةٌ كالفضوليّ . وكذا لو باع المالك ما تعلّق به حقّ الغير كالمرهون .