فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 2053

8 -وإن كانت الأموال المدّخرة أكثر من النّصاب ، وصاحبها يؤدّي زكاتها ، وهي فائضة عن حاجاته الأصليّة ، فقد وقع الخلاف في حكم ادّخارها: فذهب جمهور العلماء من الصّحابة وغيرهم إلى جوازه ، ومنهم عمر وابنه وابن عبّاس وجابر . ويستدلّ لما ذهبوا إليه بآيات المواريث ؛ لأنّ اللّه جعل في تركة المتوفّي أنصباء لورثته ، وهذا لا يكون إلاّ إذا ترك المتوفّون أموالًا مدّخرةً ، كما يستدلّ لهم بحديث سعد بن أبي وقّاص المشهور « إنّك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكفّفون النّاس في أيديهم » . وهذا نصّ في أنّ ادّخار شيء للورثة بعد أداء الحقوق الماليّة الواجبة من زكاة وغيرها خير من عدم التّرك . وذهب أبو ذرّ الغفاريّ رضي الله عنه إلى أنّ ادّخار المال الزّائد عن حاجة صاحبه - من نفقته ونفقة عياله - هو ادّخار حرام وإن كان يؤدّي زكاته وكان رضي الله عنه يفتي بذلك ، ويحثّ النّاس عليه ، فنهاه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما - وكان أميرًا على الشّام - عن ذلك ؛ لأنّه خاف أن يضرّه النّاس في هذا ، فلم يترك دعوة النّاس إلى ذلك ، فشكاه إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ، فاستقدمه عثمان إلى المدينة المنوّرة ، وأنزله الرّبذة ، فبقي فيها إلى أن توفّاه اللّه تعالى . وكان أبو ذرّ رضي الله عنه يحتجّ لما ذهب إليه بجملة من الأدلّة ، منها قوله تعالى في سورة التّوبة: { والّذين يكنزون الذّهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه فبشّرهم بعذاب أليم } ، ويقول: إنّ هذه الآية محكمة غير منسوخة . ويحتجّ بما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عليّ رضي الله عنه أنّه مات رجل من أهل الصّفّة ، وترك دينارين ، أو درهمين ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « كيّتان ، صلّوا على صاحبكم » وبما رواه ابن أبي حاتم عن ثوبان مولى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض إلاّ جعل اللّه بكلّ قيراط صفحةً من نار يكوى بها من قدمه إلى ذقنه » . وعن ثوبان قال: « كنّا في سفر ونحن نسير مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال المهاجرون: لوددنا أنّا علمنا أيّ المال نتّخذه ، إذ نزل في الذّهب والفضّة ما نزل ، فقال عمر: إن شئتم سألت رسول اللّه عن ذلك ، فقالوا: أجل ، فانطلق ، فتبعته أوضع على بعيري ، فقال يا رسول اللّه: إنّ المهاجرين لمّا أنزل اللّه في الذّهب والفضّة ما أنزل قالوا: وددنا أنّا علمنا أيّ المال خير نتّخذه ، قال: نعم ، فيتّخذ أحدكم لسانًا ذاكرًا ، وقلبًا شاكرًا ، وزوجةً تعين أحدكم على إيمانه » .

9 -وذهب البعض إلى أنّ ادّخار الأموال يكون حرامًا وإن أدّى المدّخر زكاتها إذا لم يؤدّ صاحبها الحقوق العارضة فيها ، كإطعام الجائع ، وفكّ الأسير وتجهيز الغازي ونحو ذلك . وذهب عليّ بن أبي طالب إلى أنّه لا يحلّ لرجل أن يدّخر أربعة آلاف درهم فما فوق وإن أدّى زكاتها ، وكان رضي الله عنه يقول: « أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة ، وما فوقها كنز » . وكأنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه رأى أنّ القيام بالحاجات الأصليّة للمرء لا يتطلّب أكثر من أربعة آلاف درهم في أحسن الأحوال ، فإن حبس الشّخص مبلغًا أكبر من هذا فقد حبس خيره عن النّاس ، وعن الفقراء بشكل خاصّ ، وهو أمر لا يجوز ، فقد كان رضي الله عنه يقول: « إنّ اللّه فرض على الأغنياء في أموالهم ما يكفي فقراءهم ، وإن جاعوا وعروا وجهدوا فبمنع الأغنياء ، وحقّ على اللّه أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذّبهم عليه .

صفته ( حكمه التّكليفيّ ) :

10 -يختلف حكم الادّخار باختلاف الباعث عليه: فإن كان ادّخار ما يتضرّر النّاس بحبسه طلبًا للرّبح ، فذلك ممّا يدخل في باب الاحتكار ( ر: احتكار ) . وإن كان لتأمين حاجات نفسه وعياله فهو الادّخار . واتّفق الفقهاء على جواز الادّخار في الجملة دون تقييد بمدّة عند الجمهور ، وهو الأوجه عند الشّافعيّة - ولهم وجه آخر أنّه يكره ادّخار ما فضل عن كفايته لمدّة سنة . ودليلهم في ذلك: ما رواه البخاريّ في كتاب النّفقات عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثمّ يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال اللّه ، فعمل بذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حياته » . وبما رواه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النّضير ويحبس ؛ لأهله قوت سنتهم » . على أنّ الحطّاب نقل عن النّوويّ إجماع العلماء على أنّه إن كان عند إنسان ( أي ما يحتاجه النّاس ) أو اضطرّ النّاس إليه ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه دفعًا للضّرر عن النّاس . وهو ما يتّفق مع قاعدة: ( يتحمّل الضّرر الخاصّ لدفع ضرر عامّ ) .

ادّخار لحوم الأضاحيّ:

11 -يجوز ادّخار لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث في قول عامّة أهل العلم . ولم يجزه عليّ ولا ابن عمر رضي الله عنهما ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن ادّخار لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث . وللجمهور أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم » رواه مسلم - وروت عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إنّما نهيتكم للدّافّة الّتي دفّت . فكلوا وتزوّدوا وتصدّقوا وادّخروا » . وقال أحمد فيه أسانيد صحاح . أمّا عليّ وابن عمر فلم يبلغهما ترخيص رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد كانوا سمعوا النّهي فرووا على ما سمعوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت