وفسر البجرمى في حاشيته كلمة"احتلمت"فى الحديث بقوله:"أى رأت في منامها"، وفسر قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إذا رأت الماء"أى المنى إذا استيقظت. قال: وجعل رؤية المنى شرطا للغسل يدل على أنها إذا لم تر الماء لا غسل عليها.
ثم قال (9) : لو رأى في فراشه أو ثوبه منيا لا يحتمل أنه من غيره لزمه الغسل وإعادة كل صلاة لا يحتمل خلوها منه، ويسن إعادة كل صلاة يحتمل خلوها عنه، وأن أحتمل كونه من آخر نام معه في فراشه مثلا فإنه يسن لهما الغسل والإعادة. وعلق البجرمى على قوله"لا يحتمل أنه من غيره"فقال: بأن نام وحده أو مع من لا يتصور إنزاله كالممسوح، لزمه الغسل وأن لم يتذكر احتلاما.
مذهب الحنابلة:
يقول ابن قدامة (10) : الموجب للغسل خروج المنى، وروى مسلم في صحيحه عن أم سليم، وذكر الحديث السابق برواية مسلم، ثم قال: انه متفق عليه. فخروج المنى الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو نوم وهو قول عامة الفقهاء.
ثم فسر رؤية الماء الواردة في الحديث بالاحتلام، وقال: إنما يخرج في الاحتلام بالشهوة.
ثم قال: سئل أحمد عن رجل رأى في المنام أنه يجامع فاستيقظ فلم يجد شيئا، فلما مشى خرج منه المنى، قال: يغتسل.
ثم قال: إن احتلم أو جامع فأمنى ثم أغتسل ثم خرج منه منى فالمشهور عن أحمد أنه لا غسل عليه.
وقال الخلال: تواترت الروايات عن أبى عبد الله أنه ليس عليه إلا الوضوء، وإذا رأى أنه احتلم ولم يجد منيا فلا غسل عليه.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنهم من أهل العلم، وأن اتجه فرأى منيا ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل لا نعلم فيه خلافا أيضا.
وروى ذلك عن عمر وعثمان وبعض الصحابة وجماعة من التابعين ومالك و الشافعى.
ونقل (11) عن عمر رضى الله عنه أنه صلي الفجر بالمسلمين ثم خرج إلى الجرف ( موضع قرب المدينة) فرأى في ثوبه احتلاما فقال: ما أرانى إلا قد احتلمت فاغتسل وغسل ثوبه وصلى وأطال في الاستدلال.
ثم قال: إذا انتبه فوجد بللا لا يعلم هو منى أو غيره.
فقال أحمد: إذا وجد بلة اغتسل الا أن يكون به أبرده أو لاعب أهله فإنه ربما خرج منه المذى فأرجو ألا يكون به بأس، وكذلك إذا كان انتشر من أول الليل بتذكر أو رؤية لا غسل عليه، وهو قول الحسن لأنه مشكوك فيه يحتمل أنه مذى وقد وجد سببه فلا يجب الغسل مع الشك، وإن لم يكن وجد ذلك فعليه الغسل لخبر عائشة سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما. ففال: يغتسل، ولأن الظاهر أنه احتلام.
وقد توقف أحمد في هذه المسألة في مواضع.
ونقل عن مجاهد وقتادة خلاف ذلك.
ثم قال: وأن رأى في ثوبه منيا وكان مما لا ينام فيه غيره فعليه الغسل لأن عمر وعثمان اغتسلا حين رأياه في ثوبهما، ولأنه لا يحتمل أن يكون إلا منه ويعيد الصلاة من أحدث نومة نامها فيه، إلا أن يرى أمارة تدل على أنه صلى قبلها فيعيد من أدنى نومة يحتمل أنه منها، وإن كان الرائى له غلاما يمكن وجود المنى منه كابن اثنتى عشرة سنة فهو كالرجل لأنه وجد دليله وهو محتمل للوصول فإن كان أقل من ذلك فلا غسل عليه لأنه لا يحتمل، فتعين حمله على أنه من غيره، فأما إن رأى الرجل منيا في ثوب ينام فيه هو وغيره ممن يحتلم فلا غسل على واحد منهما لأن كل واحد منهما بالنظر إليه مفردا يحتمل لا يكون منه فوجوب الغسل عليه مشكوك فيه.
مذهب الظاهرية:
ويمثله قول ابن حزم (12) : الجنابة هى الماء الذى يكون من نوعه الولد، ثم ساق حديث أم سليم السابق، ثم قال: فهذا هو الماء الذى يوجب الغسل وهو واضح في أن ماء الاحتلام الذى ورد في الحديث عندهم يوجب الغسل.
ثم قال (13) : وكيفما خرجت الجنابة المذكورة.. فالغسل واجب لقوله تعالى:"وإن كنتم جنبا فاطهروا"ولأمره عليه الصلاة والسلام:"إذا فَضَحَ الماء ( أى دفق) أن يغتسل"، وهذا عموم لكل من خرجت منه الجنابة فيشمل الإحتلام.
مذهب الزيدية:
جاء في البحر الزخار (14) : إن من موجبات الغسل الإمناء بشهوة إجماعا لقوله عليه الصلاة والسلام:"الماء من الماء". وقال: إن الأكثر على أن المرأة كالرجل ولها ماء لقوله عليه الصلاة والسلام:"إن للمرأة ماء كماء الرجل".
وأورد صاحب جواهر الأخبار الحديث: في تعليقه بما يفيد دخول الاحتلام دخولا أوليا. قال: روى عن على قال: دخلت أنا ورسول الله على عائشة قبل أن يأمر بالستر دوننا فإذا عندها نسوة من الأمصار فقالت عائشة: يا رسول الله، هؤلاء النسوة جئنك يسألنك عن أشياء يستحين من ذكرها، فقال:"إن الله لا يستحى من الحق".
قالت: المرأة ترى في منامها ما يراه الرجل، هل عليها الغسل؟ قال:"عليها الغسل، إن لها ماء كماء الرجل، ولكن الله أسَّر ماءها وأظهر ماء الرجل". ثم ساق حديث أم سليم. وقال صاحب البحر (15) : لابد من تيقن المنى ويكفى ظن الشهوة إذ سئل النبى عليه الصلاة والسلام عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام، قال: يغتسل لا العكس إذ لا دليل والأصل الطهارة.
ثم قال: ولا شىء في الشهوة ما لم يمن لقوله عليه الصلاة والسلام."لمن احتلم ولم يجد بللا لا غسل عليك"، ويغتسل أن تيقن المنى في ثوب لم يلبسه غيره ولا أغتسل بعد أقرب نومة عن جنابة ولم يجوز أن يكون من غيره لقوله صلى الله عليه وسلم لمن وجد البلل ولم يذكر الاحتلام يغتسل (16) .
مذهب الشيعة الجعفرية:
يقتضى أن الاحتلام مع الإنزال يوجب الغسل. جاء في الروضة البهية:"أن موجب الجنابة شيئان: الأول الإنزال للمنى يقظة ونوما.. الخ."
مذهب الإباضية (17) :