ألا يجوز أن يشعر الشاعر منها بضرب من الحياة والاختيار خاص بها لا ندرك كنهه لاحتجابه عنا بما نتصور من حياتنا واختيارنا، ألا تراها توافى بأسرارها من ينظر في آثارها ويوفيها حق النظر في نظامها يستكثر من الخير بما يقف من شئونها ومعرفة الطريق إلى استدرار منافعها.
وأقول: لماذا كل هذا الأجل أن نجعلها هي الملائكة ولا نستبعد أن يكون فيها حياة وشعور إلخ؟: أبيس عالم آخر نسميه ملائكة أهون من ذلك كله؟، أليس اتباع المعقول والمنقول أولى من تلك الخيالات الفارغة التي تشبه خيالات المحمومين، اللهم إن هذا افتنان بما ظهر في عالم المادة وما أحدثوه فيها من مدهشات وعجائب ولكن الشئون الآلهية فوق ذلك كله {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وقد أذكرني ذلك قولهم"كن يهوديًا حقا وإلا فلا تلعب بالتوراة". ونحن نقول له"كن مسلما حقا وإلا فلا تلعب بالقرآن". أليس هذا الخيال أشبه بخيال ذلك الملحد الذي جعل الأثير إلهًا وتخيل فيه سمعا وبصيرا حيث يقول:
فلعل الأثب خير سميع . . . ولعل الأثير خير بصير
ولعل الأثير خير إله . . . ولعل الأثير خير نصير
ثم نقول بعد ذلك كله: اي علاقة بين هذا الدليل وتلك الدعوى على نحو ما أوضحناه فيما قبله؟