فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 11953

وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَنْ لَكُمْ بِأَنَّ أَثَرَ الصُّنْعِ مَوْجُودٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ؟ قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى, قِيلَ لَهُ: إِنَّ السَّمَاءَ جِسْمٌ مَحْدُودٌ مُتَنَاهٍ، فَالْمَحْدُودُ الْمُتَنَاهِي لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا، لأَنَّ الْقَدِيمَ هُوَ الْمَوْجُودُ الَّذِي لاَ سَبَبَ لِوُجُودِهِ، وَمَا لاَ سَبَبَ لِوُجُودِهِ، فَلاَ جَائِزَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِهَايَةٌ, لأَنَّهُ لاَ يَكُونُ وُجُودُهُ إِلَى تِلْكَ النِّهَايَةِ أَوْلَى مِنْ وُجُودِهِ دُونَهَا، أَوْ وَرَائهَا، ولأَنَّ الْمُتَنَاهِيَ لاَ يَكُونُ خَالِصَ الْوُجُودِ, لأَنَّهُ إِلَى نِهَايَتِهِ يَكُونُ مَوْجُودًا، ثُمَّ يَكُونُ وَرَاءَ نِهَايَتِهِ مَعْدُومًا، وَالْقَدِيمُ لاَ يُعْدَمُ. فَصَحَّ أَنَّ الْمُتَنَاهِيَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا، وَالسَّمَاءُ مُتَنَاهِيَةٌ، فَثَبَتَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِقَدِيمٍ، فَإِنْ قِيلَ: وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ؟ قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلَى ذلك أَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ عِيَانًا مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي تَلِينَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ مِنَ الْجِهَاتِ الَّتِي لا نَرَاهَا ولاَ نُشَاهِدُها، لأَنَّ تَنَاهِيَهَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ قَدْ أَوْجَبَ أَنْ لاَ يَكُونَ مَا يَلِينَا مِنْهَا قَدِيمًا مَوْجُودًا إِلاَّ بِسَبَبٍ، فَصَحَّ أَنَّ مَا لاَ تَلِينَا مِنْهَا فَهِيَ كَذَلِكَ أَيْضًا، لأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ وَاحِدٌ, بَعْضُهُ قَدِيمٌ, وَبَعْضُهُ غَيْرَ قَدِيمٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ السَّمَاءَ جِسْمٌ ذُو أَجْزَاءٍ، كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ مَحْدُودٌ مُتَنَاهٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ جَمِيعَهَا مَحْدُودٌ مُتَنَاهٍ, ثُمَّ سَاقَ الْكَلاَمَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَا قُلْتُهُ فِي السَّمَاءِ فَهُوَ فِي الأَرْضِ مِثْلُهُ وَأَبَيْنُ، لأَنَّ أَجْزَاءَ الأَرْضِ تَقْبَلُ فِي الْعَيَانِ أَنْوَاعًا مِنَ الِاسْتِحَالَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ وَالْهَوَاءُ, لأَنَّ أَجْزَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ يَجْتَمِعُ مَرَّةً، وَيَفْتَرِقُ أُخْرَى، وَيَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، فَصَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ غَيْرِهَا مِنَ الأَجْسَامِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي الْحَاجَةِ إِلَى مُغَيِّرٍ غَيَّرَهَا، وَنَاقِلٍ نَقَلَهَا، وَهُوَ الله الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت