مُقَدِّرِينَ أَنَّهُ رَاضٍ مِنْهُمْ بِالْيَسِيرِ مِنَ الطَّاعَةِ الَّتِي يُوفُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ, فَإِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ, بَلْ سَبِيلُهُمْ أَنْ يَكُونُوا فِي الأَحْوَالِ كُلِّهَا مُشْفِقِينَ مِنْ سَخَطِهِ وَمُؤَاخَذَتِهِ, مُخْطِرِينَ بِقُلُوبِهِمُ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِهِمْ هَلَكًا أَوْ سُوءًا دُونَهُ مَا كَانَ، لَمْ يَجِدُوا مَنْ يدْفَعُهُ عَنْهُمْ, وَلاَ مَنْ يمْنَعُهُ بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنَّ اللهَ عز وجَلَّ ثَنَاؤُهُ أَثْنَى عَلَى الَّذِينَ يَدْعُونَهُ, فَيَقُولُونَ: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} وَقَرَأَ الآيَةَ, فَسَمَّاهُمُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا لاَ يَدْعُو فَيَقُولُ: رَبِّ لاَ تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي, إِلاَّ وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى الْهُدَى الَّذِي أَكْرَمَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ أَنْ يَسْلُبَهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} قَرَأَ الآيَتَيْنِ, وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْفِقِينَ أَنْ يُسْلَبُوا الإِسْلاَمَ, فَيُورَدُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَوَارِدَ الأَشْقِيَاءِ, وَكَانُوا يَدْعُونَ اللهَ أَنْ لاَ يَفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ, وَكَذَلِكَ سَائِرُ نِعَمِ اللهِ وَإِنْ كَانَ الإِسْلاَمُ أَعْلاَهَا.