قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَهَلْ فِي الْعَقْلِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُحْدِثَهَا وَاحِدٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ, وَهُوَ اسْتِغْنَاءُ الْجَمِيعِ فِي حُدُثِهِ بِمُحْدِثٍ وَاحِدٍ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ لاَ يَنْفَصِلُ مِنْهَا عَدَدٌ مِنْ عَدَدٍ، وَلأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ لَكَانَ لاَ يَجْرِي تَدْبِيرُهُمَا عَلَى نَظْمٍ، وَلاَّ يتسق عَلَى أَحْكَامٍ، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهَ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ} , وَلَكَانَ الْعَجْزُ يَلْحَقُهُمَا، أَوْ أَحَدَهُمَا, وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا إِحْيَاءَ جِسْمٍ، أَرَادَ الآخَرُ إِمَاتَتَهُ، كَانَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَتِمَّ مُرَادُهُمَا، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ، أَوْ لاَ يَتِمُّ مُرَادُهُمَا، أَوْ مُرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ، وَمَنْ لَمْ يَتِمَّ مُرَادُهُ كَانَ عَاجِزًا، وَالْعَاجِزُ لاَ يَكُونُ إِلَهًا, ولا قَدِيمًا، وَبعِبَارَةٌ أُخْرَى, وَهِيَ أَنَّ حَالَ الِاثْنَيْنِ لاَ يَخْلُو مِنْ صِحَّةِ الْمُخَالَفَةِ، أَوْ تَعَذُّرِ الْمُنَازَعَةِ، فَإِنْ صَحَّتِ الْمُخَالَفَةُ، كَانَ الْمَمْنُوعُ مِنَ الْمُرَادِ مَوْصُوفًا بِالْقَهْرِ، وَإِنْ تَعَذَّرَتِ الْمُنَازَعَةُ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْصُوفًا بِالنَّقْصِ وَالْعَجْزِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ التَّشبِيَهِ، وَقَدْ دَعَانَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى تَوْحِيدِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ بِمَا أَرَانَا مِنَ الآيَاتِ، وَأَوْضَحَ لَنَا مِنَ الدَّلاَلاَتِ، فَقَالَ عَزَّ وجل: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} . قَرَأَهَا إِلَى قَوْلِهِ: {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} إِلَى سَائِرِ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ مِنَ الدَّلاَلاَتِ عَلَى صُنْعِهِ وَتَوْحِيدِهِ.