سنة تسعين وخمسمائة، وجد ميت ببغداد بظاهر باب البصرة، وقد بلي ولم يبق غير عظامه، وفي يديه ورجليه ضباب حديد، وضرب فيهما مسماران أحدهما في سرته، والآخر في جبهته، وكان هائل الخلقة، غليظ العظام، وكان سبب ظهوره زيادة الماء، كشفت تلّا كان يعرف بالتل الأحمر، على ميلين من سور باب البصرة القديم.
وذكر شيخنا أبو عبد اللّه بن القيم- رحمه اللّه- تعالى في كتاب (الروح) «1» حدّثنا أبو عبد اللّه محمد بن سنان السلامي التاجر- وكان من خيار عباد اللّه-، قال:
جاء رجل إلى سوق الحدادين ببغداد، فباع مسامير صغارا المسمار برأسين فأخذها الحدّاد فجعل يحمي عليها، فلا تلين معه، حتى عجز عن ضربها، فطلب الذي باعها عليه؟ فوجده، فقال: من أين لك هذه المسامير، قال: لقيتها، فلم يزل حتى أخبره أنه رأى قبرا مفتوحا، وفيه عظام ميّت منظومة بهذه المسامير، قال: فعالجتها على أن أخرجها، فلم أقدر، فأخذت حجرا فكسّرت عظامه وجمعتها، قال: وأنا رأيت تلك المسامير، قلت: وكيف وجدت صفتها؟ قال: المسمار صغير برأسين.
قلت: هذه الحكاية مشهورة ببغداد، وقد سمعتها وأنا صبيّ ببغداد، وهي مستفيضة بين أهلها.
قال شيخنا: وحدّثنا أبو عبد اللّه محمد بن الوزير الحراني، أنه خرج من داره بآمد بعد العصر إلى بستان، فلما كان قبل غروب الشمس توسّط القبور، فإذا قبر منها وهو جمرة نار، مثل كور الحداد: زجاج، والميت في وسطه، قال: فجعلت أمسح عيني، أقول: أنا نائم أم يقظان، ثم التفت إلى سور المدينة، فقلت: واللّه ما أنا بنائم، ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش، فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل، فدخلت البلد وسألت عن صاحب القبر، فإذا هو مكّاس قد توفي في ذلك اليوم.
وأنبأنا الحافظ أبو محمد القاسم بن محمد البرازلي فيما ذكره في (تاريخه) ، عن عبد العزيز بن عبد المنعم بن الصقيل الحراني، قال: حكى لي عبد الكافي: أنه شهد مرّة جنازة، فإذا عبد أسود معنا، فلما صلّى الناس، لم يصلّ، فلما حضرنا الدفن نظر إليّ ثم قال: أنا عمله، ثم ألقى نفسه في القبر، قال: فنظرت فلم أر شيئا.
وأنبأنا محمد بن خليفة، عن عبد المؤمن بن خلف الحافظ، قال: سمعت محمد بن إسماعيل هبة اللّه الدمياطي، يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد اللّه الثعلبي- صاحب السّلفي- يقول: كان عندنا نبّاش يتكفف الناس أعمى، وكان يقول:
من يعطيني شيئا فأخبره بالعجب، ثم يقول: من يزيدني فأريه العجب، قال فأعطي شيئا وأنا إلى جانبه أنظره، فكشف عن عينيه فإذا بهما قد نفذتا إلى قفاه كالأنبوبتين
(1) ص 69.