تجهّزي بجهاز تبلغين به ... يا نفس قبل الرّدى لم تخلقي عبثا
وروى ابن أبي الدنيا، أنّ محمد بن واسع دخل على بلال بن أبي بردة، فسأله عن القدر، فقال له: جيرانك من أهل القبور، فكّر فيهم، فإن فيهم شغلا عن القدر.
وعن مغيث الأسود الزاهد، قال: زوروا القبور كل يوم تفكر كم.
وقال النصر بن المنذر لإخوانه: زوروا الآخرة بقلوبكم، وشاهدوا الموقف بتوهمكم، وتوسدوا القبور بقلوبكم، واعلموا أن ذلك كائن لا محالة، فاختار لنفسه ما أحب من المنافع والضرر.
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت مضر بن عيسى يقول: رحم اللّه قوما زاروا إخوانهم بقلوبهم في قبورهم، وهم قيام في ديارهم، يشيرون إلى زيارتهم بالفكر في أحوالهم.
وعن عبد اللّه بن المبارك: مرّ برجل راهب عند مقبرة ومزبلة، فناداه فقال: يا راهب إن عندك كنزين من كنوز الدنيا، لك فيهما معتبر: كنز الأموال، وكنز الرجال.
وقال ابن أبي الدنيا «1» : حدثنا محمد الصبغي، قال: انتفض غنّام بن علي يوما وهو مع أصحابه، فقال له بعضهم: ما الذي أصابك؟ قال: ذكرت اللحد.
قال «2» : وحدّثنا محمد بن أحمد، قال: قال هشام الدستوائي: ربما ذكرت الميت إذا كفن في أكفانه فأعظ نفسي.
ومما يروى لابن المبارك «3» :
إنّ الذي دفن الأباعد ... والأقربين صاعدا فصاعدا
عساك يوما تذكّر الملاحدا ... يا من يرمي أن يكون خالدا
شربت فاعلمه حديدا باردا ... لا بدّ تلقى طيبا وزائدا
قال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:
ليبك لأهوال القيامة من بكى ... ولا تنسينّ القبر يوما ولا البلى
كفى حزنا يوما ترى فيه مكرما ... كرامته أن يرتدوا جسمه الثّرى
(1) «القبور» (162) .
(3) انظر المصدر السابق (193) .