الصفحة 59 من 197

أما الفئة الثانية: فهي الفئة التي جوزت الاستشهاد بالحديث مطلقا، وعدته مصدرا من مصادر النحو، ويمثل هذه الفئة السهيلي، وابن خروف، وابن مالك، وابن هشام وقد استدل هؤلاء بالحديث الشريف لأنه كلام النبي (ص) وهو افصح العرب لسانا وأبلغهم مقالا إذ روي عنه أنه قال (( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ) ). وقد تشدد الرواة في نقل الحديث وقبول الرواية فقد تحملوا مشاق الرحلات في سبيل ضبط الحديث ومعرفة رجاله، لذلك كان يجب على النحاة أن يعدوا الحديث المصدر الثاني من مصادر استشهادهم بعد كلام الله عز وجل والقراءات القرآنية.

الفئة الثالثة: وهي الفئة التي توسطت بين الفئتين فقبلت بعض الأحاديث، ورفضت الاحتجاج ببعضها الآخر ويمثل هذه الفئة الشاطبي، السيوطي. وهذه الفئة اشترطت في قبول الاستشهاد بالحديث متى ما اهتم ناقله بلفظه. وتركوا الاستشهاد بالحديث إذا اعتنى ناقله بمعناه دون لفظه.

وبعد هذا العرض المقتضب لأصل من أصول النحو نعود لنتلمس أثر هذا الأصل في الشرحين. فقد قل استشهاد الشارحين بالحديث، ولعل السبب يعود إلى طبيعة الشرحين، إذ كان موضوع الشرحين الحديث نفسه.

وسنورد عددا من الأمثلة للشارحين لنتعرف من خلالها موقف الشارحين من الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف. ومثاله عند ابن حجر ماجاء في (تفسير سورة هود) في باب (ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) قال ابن حجر في قوله (أراذلنا) من قوله تعالى (( وما نراك اتبعك الا الذين هم أراذلنا .. ) ) [1] . (( بضم المهملة وتشديد القاف، والأراذل جمع أرذل، إما على بابه كما جاء(أحاسنكم أخلاقا) أو جرى مجرى الأسماء كالأبطح ... .. )) [2]

(1) سورة هود 27، وينظر فتح الاباري 8/ 450.

(2) فتح الباري 8/ 451

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت