الصفحة 54 من 197

على الرغم من أنَّ النحاة استشهدوا بالقراءات القرآنية في مواضع متعددة نظر اليها كل منهم بحسب مذهبه النحوي، فالبصريون اخضعوا القراءات القرآنية لأصولهم واقيستهم، فهم يقبلون بها متى جاءت موافقة للقياس، أو إذا استندت على السماع من كلام العرب المنظوم والمنثور [1] . أما الكوفيون، فقد توسعوا في الاستشهاد بالقراءات ويرجع هذا إلى منهجهم القائم على الاتساع في السماع، ولأنَّ عددًا من رجال المدرسة الكوفية اشتغلوا بالقراءات وكانوا من الأئمة السبعة وخير مثال على ذلك الكسائي مؤسس المدرسة الكوفية فقد كان أحد القراء السبعة، أو ربما يرجع السبب إلى أنهم لم يتأثروا بأساليب الفلسفة والمنطق كما فعل البصريون [2] .

والحق ما ذهب اليه عددٌ من علماء اللغة القدماء والمحدثين من أن القراءة الثابتة أقوى في الاستشهاد من الشعر وغيره وذلك لأنها تمثل الواقع اللغوي لاتصالها بلهجات العرب [3] ، فضلًا عن تواتر سندها وصحة روايتها وذلك مالم يتوافر في الشعر ولا في أي نصٍ نثري غير القرآن لأن (( اللغة إذا وردت في القرآن الكريم فهي أفصح مما في غير القرآن ) ) [4] .

وبعد فالقراءات القرآنية حجة في العربية، لأنها أخذت عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) والتابعين. والقراء تتبعوا أثر كل قراءة فكان نقلهم يعتمد على صحة السند وتواتر الرواية.

قال السيوطي: (( أما القرآن فكلما ورد أنه قرئ به جاز الاحتجاج به في العربية سواء كان متواترًا أم احادًا أم شاذًا، وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في

(1) ينظر الشواهد والاستشهاد في النحو 237.

(2) ينظر المصدر نفسه279.

(3) ينظر الشواهد والاستشهاد في النحو 279.

(4) المزهر 1/ 213.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت