فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 347

حانوتى فانقطع شسع نعله، فأخرجت إليه شسعا واستأذنته في إصلاح نعله فأذن لي، ثم قال: أتدري لم انقطع شسع نعلى؟ فقلت: حتى تقول، فقال: لأنى ما اغتسلت للجمعة، فقلت: هاهنا حمام، أفتدخله؟ فقال: نعم، ودخل.

من قال إن لفظ الله مشتق من أله، أى بالمكان والرد عليه:

قول آخر في معنى اسمه الله: قال بعض الناس: اشتقاقه من قولهم: أله بالمكان إذا أقام به، وفى معناه أنشدوا:

ألهنا بدار ما تبين رسومها ... كأن بقاياها وشام على اليد

فكأنهم قالوا: إنما كان إلها بقدمه ودوام وجوده.

وقال بعض الناس: إن معنى الإله هو القديم، وهذا القول باطل، لأنه لو كان كما قالوا لوجب أن يكون كل من كان له إقامة بمكان أو تقدم بزمان أو دوام لوجود كان له قسط من الألوهية، وهذا باطل.

فأما دوام تقدم الوجود وتقدم الكون فمستحق للقديم سبحانه واجب، فمن عرف ذلك في وصفه فشرطه أن لا يساكن المخلوقات ولا يوطن نفسه على شيء من المصنوعات، ويرتقى بهمته إلى رب الأرضين والسماوات، وقال الله تعالى (وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى) فعند ذلك يكون عظيم الهمة شريف الإرادة جليل الحال لا يتعزز بدنياه، ولا يرضى بدون مولاه فيكفيه الله ما لا بد منه ويجعل الكون بأسره خادما له، فلا يستوحش من الغربة لما وجده من الإيناس والقربة.

وقد حكى عن بعضهم أنه قال: خرجت مرة إلى الحج فبينما أنا في البادية إذ تهت، فلما جن عليّ الليل، وكان ليلة مقمرة سمعت صوت شخص ضعيف يقول لي: يا أبا إسحاق، قد انتظرتك من الغداة، فدنوت منه، فإذا هو شاب ضعيف نحيف أشرف على الموت، وحوله رياحين كثيرة، منها ما أعرف ومنها

ما لا أعرف، فقلت له: من أين أنت؟ فقال: من مدينة شمساط، كنت في عز ورفعة فطالبتنى نفسى بالعزلة فخرجت، وقد أشرفت على الموت، فسألت الله تعالى أن يقيض لي وليا من أوليائه، وأرجو أنك هو، فقلت: ألك والدان؟ قال: نعم، وإخوة وأخوات، فقلت: هل اشتقت إليهم أو إلى ذكرهم؟ فقال: لا، إلا اليوم أردت أن أشم ريحهم، فطافت بى السباع والبهائم فبكين معى وحملت إلى هذه الرياحين، فقال: فبينا أنا معه على تلك الحالة يرق له قلبى إذا بحية أقبلت وفى فمها طاقة نرجس كبيرة، فقالت: دع شرك عنه، فإن الله يغار على أوليائه، قال: فغشى عليّ فما أفقت حتى خرجت نفسه، ثم وقع عليّ ثبات فانتبهت وأنا على الجادة (1) ، قال: فدخلت مدينة شمساط بعد ما حججت فاستقبلتنى امرأة بيدها ركوة، فما رأيت أشبه بالشاب منها، فلما رأتنى قالت: يا أبا إسحاق، كيف رأيت الشاب؟ فإنى انتظرتك منذ ثلاث، فذكرت لها القصة إلى أن قلت: قال: أردت أن أشمهم، فصاحت وقالت: أولا بلغ الشم؟ وخرجت نفسها، فخرج أتراب لها عليهن المرقعات والفوط وتكفلن أمرها وتولين دفنها فانصرفت عنها.

من قال إن لفظ الله مشتق من أله إذا تحير والرد عليه:

قول آخر: ومنه، من قال: إن معنى الله من أله إذا تحير، وهذا أيضا لا يصح من طريق التحديد وإن صح من طريق المعنى، على معنى أنه تحار العقول في جلال سلطان الله تعالى، وذلك من أوصاف التعظيم، وأن الّذي يرى مخلوقا فيدهش في رؤيته ويتحير فيما يأخذ عنه من مشاهدته، وهو مخلوق مثله ذو نقص، فحقيق به أن يتحير لو حصلت له ذرة من كمال المعرفة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الطريق الواضح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت