فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 347

الحيرة عن الإحاطة بصمديته، كيف لا، وهو مستحق لنعت سرمديته، متوحد بتقدم أزليته، وكلّت الأبصار عند رؤيته عن إدراك حقيقته، ولم لا والجبروت حقه باستحقاق الملكوت عينه وذاته.

ومن آداب من عرف هذا الاسم أن يطهر نفسه عن متابعة الشهوات، وماله عن الحرام والشبهات، ووقته عن دنس المخالفات، وقلبه عن كدورة الغفلات، وروحه عن المضاجعات والمساكنات، وسره عن الملاحظات والالتفاتات، فلا يتذلل لمخلوق بالنفس التى بها عبده، ولا يعظم مخلوقا بالقلب الّذي به شهده، ولا يبالى بما فقده بعد ما ووجده، ولا يرجع قبل الوصول إليه بعد ما قصده، فهو من الأعراض والأدناس متصاون، وبما يفوته من الأغراض وصحبة الأجناس متهاون، به يقول إذا قال، وبه يصول إذا صال، دلت نجوم عقله على ثبوت وجوده، وأضاءت أقمار علومه بتحقق نعت شهوده، وطلعت شموس معارفه فأذنت بفنائه وخموده، تفرد عند أفعاله عن دعواه، وتجرد في عموم أحواله عن متابعة هواه، وأثر في جميع أوقاته متابعة رضاه.

فصل: آداب من عرف اسمه تعالى القدوس:

ومن آداب من عرف أنه القدوس أن تسمو همته إلى أن يطهره الحق سبحانه من عيوبه وآفاته، ويقدسه عن دنس عاهاته في جميع حالاته، فيحتال في تصفية قلبه عن كدوراته، ويرجع إلى الله تعالى بحسن الاستجابة في جميع أوقاته، فإن من طهر لله لسانه عن الغيبة طهر الله قلبه عن الغيبة، ومن طهر لله طرفه عن النظر بالريبة طهر الله سره عن الحجبة.

حكى عن إبراهيم بن أدهم، رحمه الله: أنه مر بسكران مطروح على قارعة الطريق، وقد تقايأ، فنظر إليه وقال: بأى شيء أصابته هذه الآفة، وقد ذكر الله بهذا الفم، فغسل فه، فلما أن أفاق السكران أخبر بما فعله إبراهيم بن أدهم

فخجل الرجل وتاب وحسنت توبته، فرأى إبراهيم بن أدهم فيما يرى النائم كأن قائلا يقول: غسلت فمه لأجلنا، فلا جرم طهرنا لأجلك قلبه.

وفى الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم:"نظفوا أفواهكم فإنها مجارى القرآن"وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قالك"بنى الإسلام على النظافة".

فصل: العابدون والزاهدون والعارفون:

واعلم أن الحق سبحانه يطهر نفوس العابدين بحسن تأييده عن دنس المخالفات، واتباع الهوى، ويطهر قلوب الزاهدين بيمن التسديد عن الرغبة في الدنيا واستشعار المنى، ويطهر أسرار العارفين بنور توحيده عما سوى المولى، فالعابدون متصفون بطاعة الله مقبلون على عبادة الله، محترقون باستشعار الخلوص في تقوى الله، والزاهدون مقيمون على الاكتفاء بوعد الله معرضون عما يوجب التهمة في ضمان الله، والعارفون إن قاموا قاموا بالله، وإن نطقوا نطقوا بالله، وإن سكتوا سكتوا بالله، فكيفما دارت أوقاتهم وتصرفت أحوالهم، الغالب على قلوبهم ذكر الله، لاح لأسرارهم منه علم فطاح عن إحساسهم (1) كل وصم، أذاقنا الله مما أذاقهم شمة، إنه ولى كل نعمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أى: ذهب فلم يحسوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت