فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 347

باب في معنى قوله تعالى

(رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)

الكلام في هذه الآية من وجوه منها قوله: (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ) (مريم: 65) الآية، تدل على قول أهل الحق: إن اكتسابات العباد مخلوقة لله سبحانه، لأن الرب في هذا الموضع لا يمكن حمله على معنى من معانيه إلا على المالك، وإذا ثبت أنه مالك ما بين السماوات والأرض دخل في ذلك اكتساب الخلق، وإذا ثبت أن اكتساب الخلق ملك له دل على أنه خلقه لأن حقيقة الملك القدرة على الإيجاد، ومعنى كون الشيء فعلا لفاعله أنه بقدرته وجد.

وقوله: (فَاعْبُدْهُ) وجه نظمه بما تقدم أنه لما ثبت أنه المالك على الإطلاق فله بحق ملكه أن يتعبد من شاء من خلقه بما يريد من حقه، وحقيقة العبادة الطاعة بغاية الخضوع، ولا يستحقها أحد سوى المعبود جلت قدرته، وهي من قولهم: طريق معبّد إذا وطئته السابلة (السائرون على الطريق) .

وقوله: (وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ) فيه دلالة على أن الحال وإن صفت هي لا تكتفى إلا باقتران وفاء العاقبة، ولهذا قال بعض المشايخ: لا يغرنك صفاء الأوقات فإن تحتها عوارض الآفات.

وفى معناه أنشدوا:

أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتى به القدر

وسالمتك الليالى فاغتررت بها ... وعند صفو الليالى يحدث الكدر

فكم من شجرة أورقت وأزهرت، فما أدركت ولا أثمرت، وكم من مطيع أخلص في طاعته، وما تخلص في عاقبته، وكم من مسرور بعبادته، مغرور لصفاء حالته، بدت له خفايا سابقته، بما لم يكن في حسبانه وأمنيته.

ودلت الآية على وجوب الاستقامة، فإن الاصطبار نهاية الصبر، ومن صبر ظفر، ومن لازم وصل، وقد قيل: من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له، وفى معناه أنشدوا:

أخلق بذى الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

وأنشدوا أيضا:

إنى رأيت وفى الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر

وقل من جد في شيء يطالبه ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر

وقوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) جاء في التفسير: هل تعلم له نظيرا؟ معناه: هل تعلم أحدا يستحق من الصفات ما يستحقه الله عزوجل؟ وقيل: معناه: هل تعلم أحدا يسمى الله سوى الله؟ وعن الحسن بن الفضل البلخى أنه

قال: نظم هذه اللفظة بما قبلها أنه لما أخبر أنه مالكهم وبحق ملكه تعبّدهم، وبملازمة طاعته أمرهم، بيّن أنه لا منازع له ينازعه فيما أمر، ولا مضارع يساويه فيما أثبت وأظهر، ودلت الآية على نفى التشبيه، وأن المعبود سبحانه لا يشبه شيئا من الموجودات ولا يشبهه شيء من المدروكات، لأن من شرط التماثل التساوى بكل وجه، والله صانع وما سواه مصنوع، ويستحيل أن يكون كالمصنوع لاستحالة القول بحدوثه كما يستحيل أن يكون المخلوق كالخالق، لفساد القول بقدمه، وعليه دل قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) قال الواسطى: ليس كذاته ذات، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة، إلا من جهة موافقة اللفظ، وجلت الذات القديمة أن تكون لها صفة حديثة، كما استحال أن تكون الذات المحدثة لها صفة قديمة، سبحان من ليس كمثله شيء، وجل عن الزمان والأين.

وهذه الحكاية تشتمل على جوامع مسائل التوحيد، وكيف تشبه ذاته ذات المحدثات وهي بوجودها مستغنية عن كل غير بكل وجه، فهى بها قائمة وباستحقاق نعت صمديتها دائمة.

وما سواها من الأغيار إلى الإيجاد والإبداء مفتقرة حتى تكون، وإلى الإبقاء والإدامة محتاجة حتى تدوم.

وكيف يشبه فعله فعل الخلق وهو لا لعلة فعل ما فعل.

ولا لجلب أنس أو دفع نقص حصل.

ولا بخواطر وأغراض وجد.

ولا بمباشرة أو معالجة ظهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت