كفنا فوجدته طويلا فقطعت منه قطعة ودفنته فيه، فرأيت في منامى كأن قائلا يقول لي: بخلت بقطعة كفن على ولى من أوليائنا، لا حاجة لنا في كفنك، فأصبحت ودخلت بيت الأكفان فوجدت الكفن ملفوفا في زاوية من زواياه.
ومن آداب من عرف أنه البر أن يكون بارا بكل أحد لا سيما بأبويه، فإن الخبر ورد عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم أنه قال:"رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الرب في سخط الوالدين".
يحكى أن موسى، عليه السلام، لما كلمه الله تعالى رأى رجلا قائما عند ساق العرش فتعجب من علو مكانه فقال: يا رب، بم بلغ هذا العبد هذا المحل؟ فقال: إنه كان لا يحسد عبدا من عبادى على ما آتيته، وكان بارا بوالديه.
ويقال: إن الحسن بن على رضي الله عنهما كان لا يأكل مع فاطمة رضي الله عنها فقالت له في ذلك فقال: أخشى أن يقع بصرك على شيء فأسبقك بأخذه ولا أشعر، فأكون عاقا لك، فقالت: كل معى يا بنى، وأنت منى في حل.
ويحكى عن أبي يزيد البسطامى أنه قال: كنت في ابتداء أمرى صبيا ولى دون عشر سنين، فكان لا يأخذنى النوم بالليل، وكنت أصلي، فأقسمت عليّ والدتى ليلة أن أبيت معها في الفراش وأنام، فلم أرد مخالفتها، فنمت معها، وكانت يدى تحت جنبها فلم أخرجها مخافة أن تنتبه، ولم يأخذنى النوم فقرأت عشرة آلاف مرة: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) وعوذتها بها، قال: فلم تعلم بيدى هذه ولم أخرجها من تحتها مخافة أن تنتبه.
واعلم أن بر الأصاغر من التلامذة للشيوخ والأساتذة يجب أن يكون أكثر من برهم بوالديهم، فإن الأب يحمى ولده عن آفات الدنيا، والشيخ يحمى تلميذه عن آفات الآخرة، والأب يربى ولده بنعمته والشيخ يربى تلميذه بهمته.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول: سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكى يقول: من قال لأستاذ: لا، لم يفلح أبدا.
يحكى عن أبي الحسن العلوى أنه قال: كنت تلميذا لجعفر بن نصير، رحمه الله تعالى، فكنت ليلة عنده، وكنا علقنا طيرا في التنور في البيت، وكان قلبى مع ذلك الطير، فقال لي الشيخ جعفر: بت عندنا الليلة فاعتللت بعلة، ورجعت إلى البيت، قال: فأخرج الطير من التنور ووضع بين يدى، وكان باب الدار مفتوحا فدخل كلب فأخذ الطير ومر، وعثرت الخادم بالجرداب قصبته، وأكلت الخبز بلا إدام، فتغير قلبى واستوحشت، فأصبحت ودخلت على جعفر، فلما وقع بصره قال: من لم يحفظ قلوب المشايخ سلط الله عليه كلبا يؤذيه.
سمعت الشيخ أحمد بن يحيى، وكان كبير الشأن يقول: من حفظ حق أستاذه وشيخه لا يكافأ في حياة الشيخ، لئلا يسقط تعظيم الشيخ من قلبه، ومن لم يحفظ حرمة شيخه لا يعاقب في حياة الشيخ، لأن لهم بهم رحمة وشفقة، فتداخلهم الشفقة عليهم، بل ينتقم الله سبحانه منهم ويكافئهم بعد موت شيوخهم، ونعوذ بالله من سوء الخاتمة.