فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 347

باب في معنى قوله تعالى

(قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ)

ومن معاني الدعاء

هذه الآية في سورة بنى إسرائيل، وهي مكية، وسبب نزولها أن المسلمين من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا: ما لنا نسمع ذكر الرحمن في القرآن كثيرا، وهو في التوراة كثير، فأنزل الله سبحانه: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) والدعاء في القرآن على وجوه خمسة منها:

الدعاء بمعنى العبادة: قال تعالى في سورة يونس: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) أى ولا تعبد، وقال تعالى في سوره الأنعام: (قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا) أى أنعبد.

ومنها الدعاء بمعنى الاستعانة: لقوله تعالى في سورة البقرة: (وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أى استعينوا بهم.

ومنها الدعاء بمعنى السؤال: قال تعالى في سورة المؤمن: (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) أى سلونى أعطكم، وقال تعالى في سورة البقرة (فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا) الآية، أى أسأل لنا ربك.

ومنها الدعاء بمعنى القول: لقوله سبحانه في سورة يونس (دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَ) إلى (وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) .

ومنها الدعاء بمعنى النداء: كقوله عزوجل في بنى إسرائيل: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ) أى يناديكم.

وفى هذا الموضع الدعاء بمعنى النداء، قال تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا) أى: نادونى إن شئتم بقولكم: يا الله، وإن شئتم: يا رحمن، وقوله: (أَيًّا ما تَدْعُوا) إن شئت قلت:"ما"صلة ومعناه: أيا تدعوا، وإن شئت قلت:"ما"للتأكيد وجاز تكريره لما اختلف اللفظ.

وقوله: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها) (الإسراء: 110) الصلاة في اللغة هي الدعاء، وفى الشرع: دعاء مخصوص على شروط، ومن أهل اللغة من قال: الأصل في الصلاة اللزوم، فكأن المصلى لزم هذه العبادة المخصوصة لاستنجاح طلبته من الله تعالى، وبعض العلماء قال: سميت هذه العبادة المخصوصة صلاة لأنها في أكثر المواضع ثانى الإيمان وتالية في الذكر، كقوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) (البقرة: 3) وأمثلته كثيرة، قال: والعرب تسمى الفرس الّذي يتلو السابق من الخيل في الحلبة المصلى، لأن رأسه عند صلوى السابق.

واختلفوا في معنى الصلاة هاهنا، فقال كثير من المفسرين: إنه أراد: لا تجهر بالقراءة في الصلاة ولا تخافت بها، وذلك أن المشركين كانوا إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة آذوه، فأمر أن لا يجهر في صلاته جهرا يسمعه المشركون، ولا يخافت بها، والمخافتة السكوت، يقال: خفت الميت خفوتا إذا برد، وهاهنا يريد أن يقتصر في القراءة على ذكر القلب، لأن القراءة المأمور بها في الصلاة محلها اللسان، فإن اقتصر على ذكر القلب نقل الشيء عن محله إلى غير محله، ووضع الشيء في غير موضعه لا يجوز، وفى الآية إشارة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت