واعلم أن فرارك، وبحثك عن ملجأ هنا وهناك فيه الأجر العظيم، وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( الفرّارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى عليه السلام ) ).
واعلم أن الاختفاء من الطواغيت هو من سنن الأنبياء والصالحين.
فهذا موسى عليه الصلاة والسلام خرج من مصر خائفًا يترقب.
وأصحاب الكهف آووا إلى الكهف فرارًا بدينهم.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم اختبأ في الكهف هو وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
وكذلك الأئمة من علماء المسلمين فروا وآووا إلى ملاجئ بعيدًا عن أعين أهل الظلم والطغيان، فهذا إمام السنة أحمد بن حنبل، ومن قبله الإمام الحسن البصري رحمه الله وغيرهم كثير من الأولياء والصالحين.
فإن ضاقت عليك الدنيا، ولم تجد من يؤويك، فإن الله مؤويك، وناصرك قال الله تعالى: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . فلا تحزن إن الله معك. [1]
وأبشر بالأمن، فإن لم تحصل عليه في الدنيا، فقد أعده الله لك في الآخرة في البرزخ، ويوم القيامة، أمن من فتنة القبر، وأمن يوم الفزع الأكبر، ويوم تدخل الجنة، أمنٌ دائم {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} .
(1) خرج بعض الطواغيت والمتعالمين إلى الناس يسخرون من المجاهدين بأنهم يختبئون في الكهوف، وشبهوهم بالفئران، والعجب أن هؤلاء الطواغيت تسلطوا على البلاد ويمشون بقوات ذات عدد لحمايتهم مع أنهم بين شعبهم كما زعموا، فلما الخوف.
وأما الاختباء في الكهوف فهذا حصل لأنبياء الله تعالى، ولعباد الله الصالحين، بل امتن الله تعالى على عبده محمد صلى الله عليه وسلم بأن الله نصره وهو في الغار.
وهل يريد هؤلاء الطواغيت من المجاهدين أن يخرجوا ليقولوا لهم ولأربابهم الصليبيين: ها نحن هنا، تعالوا فاقتلونا؟!. ولكن غاظهم أن الله تعالى آوى المجاهدين، وأيدهم، ونصرهم.